محمد الحرز
عندما صدر كتابه « النزعات الأصولية والحداثة « جوبه مؤلفه الباحث والمفكر محمد سبيلا بسيل من ردود الأفعال والتساؤلات بسبب ما جاء فيه من مقولات كانت جميعها تؤكد على أن حركات الإسلام السياسي المعاصرة هي بوجه أو بآخر حركات تحديثية. وحينما سئل عن معنى ذلك , أجاب « إني أحاول أن استعمل منهج التفهم , لا فقط منهج التفسير في فهم الظاهرة الأصولية عامة , وظاهرة الإسلام السياسي خاصة . بمعنى بدل النظر إليها - كما يفعل الكثير من المحللين الغربيين - من منظور خارجي , ننظر إليها من منظور مقاصد الفاعل الواعية واللاواعية , وتفهم أسباب وظروف ومناخ نشأتها وبنية فكرها. هكذا افترض أن الحركة الأصولية عامة , وحركات الإسلام السياسي خاصة , هي استجابة للحداثة , أي رد فعل على الحداثة , رد فعل يتضمن العديد من مظاهر الرفض. فليس إدانة كلية وشاملة ونهائية للحداثة . بل إنها تلتقي كلها في تقبل الحداثة التقنية وتبنيها واستعمالها , ولم تعد تفتي بمقاطعتها وتحريمها . كما أنها تقبل بالعديد من آليات التحديث السياسي, وتتبنى العديد من المقولات المنهجية في العلوم, ولعله من باب التعميم القول إن حركات الإسلام السياسي ضد العصر, وضد التحديث وضد الحداثة وضد العلم. إنها رد فعل ثقافة تدافع عن نفسها ضد مظاهر التذويب والإلحاق التي تمارسها الحضارة الحديثة ضد ثقافة قوية وراسخة . نعم إن كل الثقافات التقليدية في العالم تجد نفسها اليوم معرضة لهذا التحدي الخطير المتمثل في مظاهر التقدم المهول الذي حققته الحداثة الغربية , ذلك أن هذه الأخيرة تضع كل الثقافات بما في ذلك الثقافة العربية الإسلامية , بين فكي أطروحة قاتلة : إما التكيف أو الموت التاريخي. والتكيف الإيجابي ليس موقفا ميكانيكيا للرفض . وهذا ما تقوم به الثقافة الإسلامية المعاصرة , قبول ورفض . وهذا تعبير عن ديناميكية تاريخية واستجابة إيجابية وسلبية للتحدي التاريخي الكبير المطروح عليها في هذا العصر» . تنبهنا إجابة الدكتور سبيلا إلى أمور عديدة من أهمها ما يلي : أولا - منهج التفهم الذي يتبناه يفتقد للتطبيق عند الغالبية العظمى من الذين قاربوا ظاهرة الإسلام السياسي , أو الذين قرؤوا شعاراتها ضمن إطار الأحزاب السياسية التي تعمل تحت اسمها, وذلك بسبب افتقار العديد من الباحثين إلى الحس التاريخي الذي يحلل الظواهر الاجتماعية وبنياتها في التاريخ انطلاقا من مبدأ علاقات التواصل وليس مبدأ الانقطاع والاستقلالية. ثانيا - ما وجه العلاقة والارتباط بين ما يطرحه سبيلا حول منهج التفهم , وبين غياب الحس التاريخي في الدراسات الاجتماعية والتاريخية ومدى صلة ظهوره في التحليل القائم على هذا المنهج وكأن ثمة علاقة طردية بين حضور هذا وغياب ذاك ؟ لملامسة وجه العلاقة ينبغي الكشف عن زيف التحليل الإيديولوجي الغربي الذي قرأ مفهوم الاستجابة التاريخية للثقافة الإسلامية - كما بينها سبيلا - باعتبارها إحدى الثقافات التي تنتمي إلى المجتمعات التي لا تاريخ لها على حد تعبير المؤرخ « إريك وولف» ,وإلى اعتبار كذلك المسار التاريخي لهذه الثقافة يرتبط بشكل حتمي بالمسار الحضاري الذي ينتجه الغرب. والغريب أن هذا التصور, أو هذه القراءة ارتكزت على مناهج في العلوم الإنسانية كان الفكر الغربي يدعي ولا يزال أنها ذات سمات موضوعية , لكنها في حقيقة الأمر غارقة في الإيديولوجيا والمعيارية والمركزية, خذ على سبيل المثال النظرية السوسيولوجية التي انبثقت في أوروبا القرن التاسع عشر كسعي حثيث للرد على الاضطراب الاجتماعي عن طريق إيجاد نظرية للنظام الاجتماعي, عن طريق وضع النظام واللانظام في خانتي كمية العلاقات الاجتماعية ونوعيتها. هذه الثنائية ( النظام / اللانظام) في النظر إلى المجتمعات تطورت في إرث المفكرين الذين ينتسبون إلى هذا الحقل بدءا من إميل دوركهايم وروبرت ردفيلد , مرورا عند ماكس فيبر إلى تالكوت بارسون إلى ثنائية أخرى في القرن العشرين , ألا وهي المجتمعات الحديثة بإزاء المجتمعات التقليدية . وبالطبع الصورة المعيارية للمجتمع الحديث عند هؤلاء كان المجتمع الغربي, بل ثمة تواطؤ بين هذه الصورة من جهة وبين الخطاب السياسي الغربي من جهة أخرى . فعندما أعلن قادة الولايات المتحدة الأمريكية عن تأييدهم لفكرة مساعدة تطور العالم الثالث , سارع أصحاب هذه النظرية في التحديث إلى دعم هذا الإعلان وتأييده . يقول إريك وولف في كتابه « أوروبا ومن لا تاريخ لهم « إن هذه النظرية حالت عمليا دون فهم ذلك العالم إلا بأكثر أشكال الفهم غرقا في الإيديولوجيا . صحيح أن هذه النظرية استخدمت مصطلح « حديث» غير أنها كانت تعني بذلك المصطلح الولايات المتحدة , أو بالأحرى , صورة مثالية لولايات متحدة ديمقراطية , تعددية , عقلانية , وعلمانية . وقد استخدمت مصطلح « تقليدي» , ولكنها كانت تعني جميع الآخرين الذين كان يتعين عليهم أن يتبنوا تلك الصورة المثالية حتى يصبحوا جديرين بالمساعدة». ويمكننا في هذا السياق الذي نتحدث فيه عن بعض النظريات المضللة للواقع وللوعي التاريخي, أن نشير إلى أكثر من نظرية في حقول معرفية مختلفة كالأنتروبولوجيا على سبيل المثال. لكننا لسنا في صدد توسيع هذه الفقرة هنا . بل نريد أن نثبت أولا أهمية الكشف عن ارتباط المعرفة بسياقاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وظروف نشأتها وانعكاس ذلك على النظرية المعرفية نفسها, لا أن نضع هذه النظرية أو تلك في مجال إصدار الأحكام أو التقييم من منطلق النبذ والطرد , وإنما نكشف عنها من منطلق محاولة الفهم في سياق التفاعل مع الآخر. ثانيا مما سبق نصل إلى نتيجة في غاية الأهمية خصوصا فيما يتعلق بالكيفية التي ينبغي لنا فيها كعرب ومسلمين أن نتصور ماضينا وتاريخنا وثقافتنا الإسلامية في إطار تفاعله مع ثقافات العالم. هذه النتيجة تقول : تحليل المجتمعات والثقافات وتاريخ نشاط الإنسان القائم على الفهم يتطلب بالضرورة الإحاطة بمستويين من الوعي : الوعي بالتاريخ من جهة , والوعي الفلسفي من جهة أخرى . لا تغني الواحدة عن الأخرى , والمشي بعكازة واحدة يصيب التحليل بالتعثر والانكسار. إن هذا التحليل القائم على الفهم يرجع الجزء الأكبر في أهميته , في تلك الدراسات التاريخية التي تبنت هذا التوجه , وأهم هذه الدراسات التي فتحت سياقات جديدة في طريقة تناول التاريخ هي مدرسة الحوليات الفرنسية تحت تأثير الدراسات التاريخية للفلاسفة الألمان . يقول المؤرخ مارك بلوخ - وهو واحد من مؤسسي تلك المدرسة - في كتابه « مهنة المؤرخ» التأريخ هو أن نفهم « أي أن نفهم المسائل والظواهر والسلوكيات في الماضي من غير إطلاق معايير من أخلاقيات وأيديولوجيات الحاضر. وفي موضع آخر يقول» يجب أن نفهم الماضي انطلاقا من الحاضر , وأن نفهم الحاضر على ضوء الماضي « . فالتاريخ - كما يقول وجيه كوثراني- يساعد على فهم ما آلت إليه الأشياء والأمور , إنه علم دراسة التحولات , ولذا يقترح مارك بلوخ على الممارسة التأريخية أن تكون حركة ذهاب وإياب دائمة بين الماضي والحاضر . لذلك كل ممارسة أو نظرية في التاريخ لا تنظر إلى الجزء في إطار الكل , فإنها بالتأكيد تقع في فخ السطحية والاختزالية , وفي فخ الحتميات والغائيات . وقد توخى الباحث محمد سبيلا في كتابه السابق الذكر الوقوع في هذا الفخ لأنه بكل بساطة كان ينظر إلى تلك الظاهرة في إطار العلاقات الشمولية التي يتأسس عليها الجزء دون أن يغفل السمات الخاصة للجزء المدروس نفسه. لكن من جهة أخرى يبدو لي بلا شك إن إحدى أهم الأزمات التي تمر بها الآن الثقافة العربية الإسلامية بعد ما اصطلح على تسميته بعصر الإصلاح والنهضة هو وقوعها في هذا الفخ لأسباب نحتاج للحديث عنها في مقالة أخرى .