محمد الحرز

محمد الحرز

(1)أنا مصغ هنا كما تريدين , ولن تكون نافذتي مواربة , والهواء الخفيف الذي يضرب الدرفة هو رنين كلماتك . ولأني أعلم تماما أن الشجرة لا تصد الريح, وأغصانها حين تحتك بجناحي طائر منهك لا تفزع , ولأن ما ينتظرني خلف ما ننساه من كلام قديم هو رنين أيضا .سأجدني منقادا إلى متاهة الأنفاس التي لا تنفك تحاول الهروب إلى قلب آخر لا يجيد تمرين نبضاته باللغة . لكن القفز فوق الأصابع العالية هو رهان خاسر أيها الأحمق, فلا تجازف بما تبقى لك من حنين في أول الطريق . الحفر التي تنصبها لك الأدوية والذكريات والمدن سوف تغمرها المياه عما قليل , ولن يصعب عليك أن تكون الآن أول العابرين إلى الضفة الأخرى لأن ما يمكث في القاع هو خوفك فقط,ولن يلفظه التراب قبل أن يجفف نفسه من رائحتك. لذلك دائما أردد هذه الحكمة- لو أنك فقط تتذكرين الردهة التي لم تبتلع أصداء خطونا خوفا من الندم الذي بذره الأقارب في زواياها- في الصيف: هناك في آخر النفق الذي يطل على الحياة حين تعبر كالريح فوق رؤوسنا لن تجدي الظلمة ملتصقة بالسقف ولا بالجدار المدهون بذكريات العابرين , لأن الأحلام التي دربناها على الوحشة والوحدة لن تصغي للحكايات والأساطير , ولن تغادر الهواء الذي جلبناه معنا من بحار بعيدة . والوشم الذي نقشناه على حروفها سيتعرف على اللمسات التي تنزلق من أيدينا مثل أغصان تعرف طريقها إلى النبع . لكن النفق ليس وحده الذي يتدلى كثمرة ناضجة فوق شجر غريب لا أعرف اسمه ولا رسمه , وحين يظهر فجأة في نومي أكون قد أغلقت باب غرفتي على أيامي النائمة على العتبة مثل جرو صغير . ربما شجرة الموز التي كان جدي يعتني بتربيتها في حوش بيتنا الواقع بحارة الكوت هي صلة الوصل بيني وبين الحياة . وسوف أدرك لا حقا حين ينكسر مجدافي في عرض البحر , وحين تتلوث أفكاري بزبد الماء الطافي على صخور الشاطئ , سأدرك في زاوية من رأسي أن بئر العائلة قد ردمناها بالأحجار , والدلاء الذي حقن أوردتنا بهمسات الآلهة وحنين الأمهات قد قطعنا الحبال عنه , والطريق الذي سلكناه في الصغر حينما كنا نعود من المدارس إلى بيوتنا فرحين سيكون مجرد غصن منكسر نلوح به في وجوه آبائنا كلما انكسرت خطواتنا ولم تعد لأقدامنا ذكريات تضيء . لقد تجاوزت الفاصلة, ثم وقفت على أعلى تلة في كلماتي ولم أصرخ لأن الغيمة الوحيدة التي عبرتني لم تمطر , ولم تحجب الشمس عني , وعندما أسندتْ ظهري العائلةُ بصخرة المناسبات والأعياد كنت فرحا . ليس فرحا بالعيد , لكنه الانفلات من كل قيد طوق حياتنا ولم نستطع الفكاك . يذهب عيد ويأتي آخر , وليس في نية أحدنا تثبيته في إطار خشبي يعلو الجدار الذي طالما رممناه كثيرا خوفا من سقوطه المفاجئ فوق رؤوسنا . كان أبي يصر كثيرا على ترك الباب مواربا لئلا يستيقظ الجدار من سباته العميق فيرمي علينا ذكرياته العتيقة التي أثقلت كاهله, ولم يعد قادرا على الصمود . كان طقسا يوميا , أعتدنا على تكراره عند خروجه , وعند دخوله , لم نفكر مطلقا ماذا يعني ؟ وما معناه بالنسبة للعائلة, العبث هو التفسير الوحيد الذي علق في أذهاننا وكأنه جزء من لعبة « القميمة» التي كنا نمارسها أطفالا في صباحات كل يوم أنا وأخوتي. الاختباء تحت السرير أو خلف باب المطبخ أو في دولاب الملابس أو في سطح المنزل كان يمثل الرهان في قدرتنا على ممارسة مواهبنا في التخفي عن عين المصيدة . هكذا كبرت على مثل هذه الموهبة ولم أزل , وبدل أن أخرج حياتي من الكهف الذي يراودني في الحلم أجدني أستعير حياة الأصدقاء وأذهب بها إلى غابة كثيفة لا يعبرها سوى الموتى الذين خرجوا من قبورهم ولم يعودوا . فلا تكوني مثلهم , يكفيني منك الهمسة الأولى التي تشبه لهاثا يتخبط في الرئة ولا يهدأ . تكفيني الضحكات الجافة التي تدور حول ظلالنا , لا تزيّتيها , هي أفضل هكذا , لأن ما سوف يسقط لا حقا على الأرض ليس سوى الثمرة اليابسة التي ظلت عالقة طويلا على شجرة حياتي.قولي لي إذن أنك لن تأسفي كثيرا, فما تُرك مجففا على الطاولة ليست الزهرة , ولا اسمك أو أسمي , إنما هي القسوة. والغريب أننا لم ننتبه للأسرار التي جفت معها أيضا, هل لأن شعرك ظل محبوسا في عيني ؟! ولم أسأل لماذا ؟ أم أن الطائر الذي حط على شفتيك لم يفتح مجرٍ للعاصفة فيما بيننا . (2) لا يساورني شك , فالأمر سيان بالنسبة إليّ . هناك من يقول : لا تذهب !! , وآخرون يرمون الحجارة على العتبات كي يثيروا الذعر في الغبار , لا ألوي على شيء . فقط أقف هكذا متجردا من الذكريات السيئة للحائط الذي أمامي . لا ألوي على شيء , النداء الذي يخترق الجلد ليس له صوت ولا رائحة , أحاول لمسه بأطراف أصابعي أفاجأ بالجرح الذي يسد الطريق , أستعين بالنظرات أتجاوز حدود دمي إلى آخر ثمرة يانعة في الروح , ولكن لا شيء ... لا شيء . النداء هو النداء , ربما توهمت أنها مجرد كلمة : لا تذهب , لا تسأليني الآن كيف كان ذلك ؟ تقولين : افتح قوسين واترك الكلمة داخلهما حتى تفقس مثل بيضة, أتقبل الأمر ولكن على مضض , أدعكِ تختارين الأقواس من بين الكلمات التي انتهت صلاحيتها مثل علب الساردين , لكنك لا تعلمين أن حياتي مجرد قوسين لا يوجد داخلهما سوى علامة استفهام فقط !!.(3)الجدة...حملنا جنازتها ولم تكن أكتافنا تمس الأعواد , لأن ألما ساخنا كان يطفح من شقوقها, وكأن الجثة حين سال دم النسيان منها لم يتوقف. خَطْونا أعدناه إلى قارورته ولم نرفع السدادة عنه , وحين فكّر؛ نحتنا من جذوع الأشجار طرقا أخرى لا توصلنا إلى القبر مرتين . كانت البقع الداكنة على قمصاننا ترمي فوق التراب نجمة أو نجمتين حتى لا تتيه العمات المتلفعات بالسواد أو الأشقاء الذين حصدوا بمناجلهم منابت الضوء من الجذور يوم كان حجر العائلة لا يسقط من أيديهم ولا يطيش. البيوت ذاتها التي احتفظت بدم السلالة باردا بين حيطانها لم تتبع خطى الصبية, ولم تتألم , لكنها نفضتْ الحصيرةَ عن أيام الجدة , وعصى الخيزران عن طفولتها, وأزاحت الشوائب عن ماء وضوئها , والرماد عن جمر صلاتها. لذا حين غادرت الأدعيةُ باب غرفتها كانت سعفات النخل التي حملنا بها النعش تزداد اخضرارا.