محمد الحرز
دار سجال في الفترة الأخيرة طال صحفنا المحلية حول مسألة طبيعة المتغيرات التي طالت الأندية الأدبية بعد مرحلة التغيير. وهل بعد مرور سنة كاملة على هذه التحولات والتبدلات في الأعضاء , وما يستتبع ذلك من تحول في الرؤى والتصورات بهدف صناعة مستقبل الثقافة في المملكة, بالإمكان الحديث عن ظواهر ملموسة تشكلت وتكونت نتيجة تلك التحولات ؟بالنسبة لي من الصعب, أو من غير الموضوعي ولا المنطقي المطالبة في الفترة الراهنة .وقد مضى على تغيير أعضاء الأندية الأدبية قرابة السنة , بتغييرات جذرية أو حتى بإصلاحات تطال ما تراكم من أخطاء حول كيفية صناعة الثقافة من خلال مؤسسات ثقافية. المسألة لا تمس الشخص المثقف بقدر ما تمس وضعية المؤسسات داخل المجتمع والدولة . هنا المسألة في تصوري التي ينبغي أن يدور الحديث حولها, وكذلك ينبغي تحليلها بطريقة أو بأخرى . ربما كان المثقف حالما بطبعه, يستعجل التغيير والتحول دون أن يربط نظرته الاستعجالية بنظرة إشكالية تكون أكثر عمقا في فهم وظائف المؤسسات الثقافية وحقيقة دورها في المجتمع , ومقدار أثرها عليه . هذا شرط موضوعي لا يمكن تجاوزه طالما كنا نثير مثل هذه المسائل . بالتأكيد الوقت عامل مهم, ولا سبيل للوصول إلى التغيير إذا لم نراع مسألة الوقت.لكن المرحلة السابقة تحتاج منا إلى تقييم ودراسة للوقوف على الأخطاء التي وقعت فيها الأندية الأدبية , وبالتالي تفاديها أو تجاوزها في المرحلة الراهنة أو المستقبلية , وبدون هذه الخطوة أو المكاشفة يصعب علينا استثمار تجارب هؤلاء الذين قضوا ردحا من الزمن داخل هذه الأندية , مهما قيل عن فداحة أخطاء تجارب هؤلاء , أو ما تركوه من آثار سلبية على الثقافة في المملكة. لكنهم في حقيقة الأمر كونوا تجربة من خلال الممارسة , ولا يمكن بالتالي التغاضي عنها مهما اختلفنا معهم في التوجهات والرؤى والقناعات . الهاجس الأكبر ينبغي أن يصب في هذا التوجه , لا أن نحسب الدقائق والساعات والأيام وكأننا نهدف من وراء ذلك إلى تراكم إنجاز كمي لا نوعي . الأول مطلوب لكن الفرز واكتساب التجربة يأتي بالتأني والتأمل والاحتكاك بتجارب المجتمعات الأخرى في بناء مؤسسات ثقافية فاعلة , وهذا في تقديري يتطلب قدرا من الحوارات واللقاءات التي ينبغي أن لا تقتصر على النخبة المثقفة فقط , بل ينبغي أن تشمل جميع القوى الفاعلة في المجتمع التي يمكنها من خلال استقطابها وانخراطها في العمل الثقافي أن تشكل قناة بين المؤسسة الثقافية من جهة وأبناء المجتمع بجميع تنوعاتهم الثقافية والأثينية والقبلية والمناطقية من جهة أخرى , وتأسيس مثل هذه القناة هي من أعظم المهمات التي تضطلع بها أي مؤسسة ثقافية داخل أي مجتمع , وهذا ما نفتقده بالتحديد . أما النظر إلى المؤسسة الثقافية باعتبارها مجرد آليات للقيام بأنشطة ثقافية وإبداعية وعمل ندوات ومهرجانات فقط وكأن هذه الأنشطة مجرد إطار تكميلي لما يفرزه المجتمع من ثقافة سائدة وليس لما يطمح إليه من ثقافة مستقبلية . هذه النظرة في تصوري للأسف هي إحدى أهم التصورات التي أدت في التجربة السابقة لأعضاء الأندية الأدبية إلى قلة الإنتاج والفاعلية من جهة تأثيرها على فئات المجتمع . والتحدي الأكبر للأعضاء الجدد هو البحث عن رؤى وتصورات وإيجاد الوسائل والطرق الأكثر نجاعة للوصول إلى المجتمع واستقطاب شبابه من خلال ثقافة معاصرة تستجيب لهمومه وتلبي احتياجاته النفسية والروحية والوطنية والمادية , وتعبر بالتالي عن كيانه أو ذاته التي تنزع نحو الانطواء ضمن هوية تعطي لوجوده قيمة . هذه القيمة لا ينبغي تركها تتشكل خارج إطار الفعل الثقافي الذي ينبغي أن تبادر إليه مؤسساتنا الثقافية, لأن مدارسنا أو جامعاتنا بوصفها مؤسسات لم تستطع أن تنهض بهذا الدور للأسف , بل رأينا النتيجة التالية : الفعل الثقافي كونه لم يكن فاعلا ضمن تاريخ هذه المؤسسات فإن الطالب الشاب الذي يتخرج منها تكون هويته ثم قيمته وثيقة الصلة بقبيلته أو طائفته , ويكون بالتالي أمينا على تعاليمها بامتياز . فهل الأندية الأدبية وحتى الجمعيات الثقافية قادرة على القيام بمثل هذه المهمة ؟ هذا هو السؤال المحوري الذي ينبغي الانطلاق منه للنظر إلى جميع الإشكالات التي تعصف بثقافتنا المحلية في لحظتها الراهنة . ولا يمكن أن تدخل مثل هذه المهمة, أو هذا السؤال في نطاق الأمنيات والمثاليات كما يقول البعض من الذين لم يدركوا المغزى العميق للدور الذي يمكن أن تلعبه استراتيجيا الثقافة في صناعة التنمية والهويات الوطنية . إذ إن الثقافة في تصور البعض منهم تكون معيارية , وظيفتها تربية السلوك والأخلاق فقط , وهو تصور يضيق كلما تأملنا عالم اليوم وحضارته وأدركنا التداخل العميق في العلاقات بين الدولة الحديثة وطبيعة مؤسساتها من جهة , وبين البنى الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والبشرية من جهة أخرى . هذا التداخل هو في صميم المشاريع التي تهدف بالدرجة الأولى إلى صناعة التنمية كرهان على تحقيق الأمن والرفاه للمواطن. وبالتأكيد التحولات التي طالت وظائف الثقافة في علاقتها بالمجتمع تدخل ضمن التركيبة الرئيسة كشرط فاعل لتحقيق ذلك الرهان . في كتابه « سؤال الثقافة « يتساءل علي أومليل : كيف تصنع الثقافة التنمية ؟ وهو في معرض إجابته يدلل على أطروحة ماكس فيبر المشهورة حول العلاقة بين العقيدة الكالفانية المسيحية وبين ظهور وتطور الرأسمالية الغربية, كي يبين أهمية المعتقدات والعادات الاجتماعية والدينية في صناعة الاقتصاد. يقول « لقد كان فيبر يرد على ماركس ونظريته في تبعيته البنية الثقافية - أو ما سماه بالإيديولوجيا- لمستوى تطور التشكيلة الاقتصادية- الاجتماعية. فالبشر وهم يكونون معتقداتهم وأفكارهم وقيمهم وتصورهم للعالم إنما يعكسون مرحلة تاريخية من تطور علاقاتهم المادية. والثقافة تتطور بتطور الشروط المادية لحياة الناس في حقبة تاريخية معينة. إلا أن المحدد الحاسم للنشاط الاقتصادي عند ماكس فيبر هو القيم الثقافية , وليس الواقع الاقتصادي . فالبداية ليست علاقة الإنسان بالطبيعة وبالوسائط التي تنتج الخيرات التي يتفاوت امتلاكها والتمتع بها بتفاوت العلاقة بين الذين يعملون وينتجون والذين يملكون وسائل الإنتاج كما يقول ماركس , وإنما البداية عند فيبر هي نظام الأفكار والعقائد والقيم الفاعلة في النشاط الاقتصادي والخلاقة للثروة». وبعيدا عن تهافت هذه النظرية - ولو جزء منها- خارج نطاق الحضارة الغربية ومجتمعاتها. لكن ما يهمنا منها , والذي هو وثيق الصلة بموضوعنا حول طبيعة المؤسسة الثقافية في علاقتها بالمجتمع , هو موقع نظام الأفكار والمعتقدات بوصفها خطابا ثقافيا في سلم أولوياتنا وخططنا السياسية في التعليم والتربية والإنتاج ,وفي تبني القيم الحديثة, والتي نسعى جاهدين من خلالها لمعرفة أنفسنا, كي يسهل علينا التحرر من جميع العقد التي تعيق تطور تلك المؤسسات . خلاصة ما نرمي إليه هنا هو أننا لم نزل ندير ظهورنا كمؤسسات ثقافية , وأيضا كمثقفين , لفهم ما ينطوي عليه المعتقد من طاقات إنتاجية توجه المجتمع والفرد من العمق . لكن للأسف هذه الطاقات الإنتاجية في ثقـافتــنا المحـــلية تنتج ثقافة ضحـــلة لا تخـــلق روابط متينة بين أبناء المجتمع , بل تخلق تكتلات برجوازية تعيق صناعة الثقافة في الوطن حتى وإن حاولت أن تظهر خلاف ذلك , ولسنا بحاجة إلى أمثلة .Alhirz@alyaum.com