محمد الحرز

محمد الحرز

نظمت مجلة « البيان» الكويتية مؤخرا مؤتمرا تحت مسمى « تعظيم حرمات الإسلام» دعت فيه جملة من المفكرين والدعاة الخليجيين , وقد أقر المجتمعون تكوين لجنة قانونية متخصصة تسعى إلى ضمان عدم التعدي على الحرمات الإسلامية وتجريم الإساءة إلى ثوابت الدين , والملاحقة القضائية والقانونية للمتجاوزين من غير المسلمين , أو المنتسبين إلى الإسلام . وفي نهاية المؤتمر تم إصدار 17 توصية جميعها ركزت على الكيفية التي ترد بها المؤسسات المدنية الإسلامية على الخروقات التي تستهدف الإسلام من جانب أتباعه وغيرهم . هذا الخبر الذي أوردته صحيفة الحياة في عددها الصادر الجمعة 14 محرم له دلالة مهمة من أبرزها أنها تعكس ذهنية الخوف التي تطال آلية التفكير عند فئات من المسلمين إزاء ما تتلقاه من ضربات ضد هوياتها العقائدية. لكن المسألة تجري مجرى العادة لو توقفنا عند هذا الحد , لأن كل خطر يهدد هوية المجتمع سيكون من الطبيعي على هذا الأخير استنفار واستنهاض مفكريه ومثقفيه للرد, وهذه إحدى الحقوق المشروعة التي تؤيدها الأنظمة الحقوقية والدستورية في العالم . ولكن من غير الطبيعي أن يتحول سلاح الرد من كونه سلاحا يتوسل الأفكار في المجال المنطقي والعلمي والتاريخي للدفاع عن حامليه بصورة حضارية أمام العالم , إلى كونه سلاحا يجرم ويلاحق قضائيا كل الأفكار المسيئة. لا يمكن الاحتكام إلى القضاء في تجريم الأفكار خصوصا تلك التي تتصل بحرية المعتقد والتاريخ والتراث , لأن من أبرز مكونات القضاء وأهدافه هو الدفاع عن حق الإنسان في التعبير , ولم يولد القضاء والتشريع في الغرب إلا على أنقاض محاكم التفتيش وسلطة الإكليروس للكنيسة والحروب الأهلية الدينية. هذه التجربة لا يمكن إغفالها , ولا تجنبها كما يلح البعض لأنها في تصورهم لا تتطابق وحال تاريخ المجتمعات الإسلامية , بالتالي لا يمكن أن يكون التاريخ الغربي وما يجري فيه من أحداث , وما يتبناه من أفكار حجة على المسلمين. المسألة لا تقع في منطقة الخيار بين القبول والرفض , ولا بين أخذ ما يتلاءم وينسجم منه وترك جانبا ما يتعارض ويتنافر . بل إن « ما يتعارض « يشكل هاجسا قويا لدى أغلب المثقفين الإسلاميين كون هذا التوجه في التاريخ الغربي يهدد هوية المسلمين وأمنهم الاجتماعي والديني , وكأن هذا الجزء من التاريخ الغربي كان نتاج مؤامرة ضد المسلمين . لكن الصحيح هو نتاج تطور المجتمع الغربي ونتاج نهضته الشاملة في جميع الميادين المعرفية والعلمية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.لست هنا في معرض الدفاع عن الذين يسيئون للإسلام وحضارته في تصور البعض. لكن علينا هنا التفريق والتمييز بين الأفكار التي ننظر إليها من خلال ورودها في سياق التوظيف الإيديولوجي لأهداف يتبناها الخطاب السياسي الغربي وبين الأفكار ذاتها حينما ننظر إليها بوصفها نتاج تأمل وبحث معرفي للثقافة والتاريخ , وعليّ هنا أن أورد المثال التالي لتوضيح الفكرة . برنارد لويس هو أحد التاريخانيين الذين يتعبون المنهج القديم في الاستشراق , ولا يخفى على أحد مدى التوظيف السياسي التي طالت مقولاته حول العرب والحضارة الإسلامية خصوصا من طرف الإعلام الأمريكي المسيس بعد أحداث منهاتن , فمن خلال كتابية « أين الخلل ؟» و « أزمة الإسلام « يخلص إلى أن « العرب يعانون من عقدة معالمها الأساسية : رؤية فشلهم في الحاضر ( في إقامة الدولة الحديثة ) ومجدهم في الماضي , وحسد الغرب لنجاحاته. وبذلك فالمرض مرضهم , ولا ذنب للغرب فيه». قد يبدو للوهلة الأولى أن ثمة تواطأ بين أفكار المؤلف من جهة , وبين أجندة الخطاب السياسي والإعلامي في الغرب من جهة أخرى , وإن كان هذا التواطؤ متحققا في تاريخيهما كما دلت عليه دراسات إدوارد سعيد وإعجاز أحمد وسارة كامبل ...ألخ, لكن الأمر لا يكمن أهميته بالنسبة لنا كمسلمين ومعنيين بالدفاع عن حضارتنا الإسلامية في تلك المنطلقات الفكرية التي تقول : ما دامت هذه الأفكار مسيسة- سواء بعلم صاحبها أم بدونه- فهي بالتالي إذن تدخل في خانة الخطأ . هذه المنطلقات للأسف تتلبس قناع المنطق التبريري المتقاعس الذي عادة ما يضعها المثقف العاجز على وجهه , للهرب من مسؤولياته أمام البحث التاريخي, و عدم قدرته على بذل الجهد المضني , وكذلك عدم تحمل المشقات المترتبة على هذا الجهد لسنين طويلة لأجل الوصول إلى الحقيقة العلمية والمعرفية, ولا ينبغي في هذا الإطار أن نغفل الجهود المضنية التي بذلها بعض المفكرين العرب في تناول مثل هذه المقولات بالنقد الهادئ والرصين البعيد عن كل انفعال أو عاطفة يمكنها أن تخل بصرامة البحث وجديته,حيث نجد من الأسماء - على سبيل المثال لا الحصر- هشام جعيط , كمال عبد اللطيف , سالم بن حميش , جورج قرم . ولا شك أيضا أن الركون إلى مثل تلك المنطلقات السابقة هي نتيجة وعي مسبق في أذهان المثقفين الذين لهم القدرة على تحريك واستفزاز الجماهير باعتبار أن هذا الوعي لا ينظر إلى علاقته بالعالم إلا من خلال قيمتين متضادتين لا تصلحان لتفسير ما يجري من تطور في العلاقات الإنسانية والتاريخية والأنظمة والقوانين والاجتماع التي وصلت إليها الحضارة الحالية, من قبيل: الخير المطلق والشر المطلق , الصح و الخطأ , عقلاني ولا عقلاني. ولا يمكن تعداد ما للآثار السلبية التي يرتكبها صاحب هذا المنطق الذي ترجع أصوله على العموم إلى قانون مرفوع الوسط لأرسطو . وبالتالي لا يولد مثل هذا الوعي سوى الاصطدام الانفعالي بالغرب السياسي , والنتيجة هي العنف والإقصاء المتبادل.إن عدم التمييز في مسائل نقد أفكار الآخر- في المثال السابق- عند الذين ينصبون أنفسهم المدافعين الشرعيين عن الدين بين نقد الأفكار وهي موظفة سياسيا وبينها وهي داخل حقلها المعرفي, بعيدا عن الاستخدام السياسي وكذلك داخل مضانها ومراجعها الفكرية . الأولى تؤدي بنا إلى الخلط بين الغرب السياسي والغرب الفكري المعرفي , الأولى لا يمكن مقاومتها كما يحدث من خلال مؤتمرات يتم التصريح فيها بالملاحقة القضائية والإدعاء ضد المسيئين , وإنما يتم من خلال التنمية الشاملة التي يفترض أن تكون الهاجس الأكبر للمثقفين والسياسيين لأنها تنزههم عن الدخول في لعبة صراع الأفكار بين شرق وغرب الموظفة سياسيا بامتياز. ومن العوامل الأخرى التي تدفع بهذا الاتجاه هي ركون هؤلاء إلى النظرة الثانية التي تتلقى الأفكار وهي منزوعة التسييس, وبدون وعي مسبق يضيق أفق تفكيرهم ولا يوسع مداركهم . يبدو كلامي هذا مفروغا منه عند العديد من المثقفين والباحثين غير المؤدلجين ولا المسيسين , لكنه غير مألوف عند العديد من الذين لا تصلح بضاعتهم ولا تروج خارج نطاق السجال والصدام الحضاري. لكن قد يتساءل البعض أن المثال السابق وما ورد فيه لا يصل إلى حدود الإساءة التي قصدها بيان المؤتمر سالف الذكر , إنه مجرد رأي من جملة الآراء التي جاءت في سياق الدراسات الاستشراقية في دراسة الحضارة الإسلامية ؟! إنه تساؤل لكن المسألة وجهان لعملة واحدة , فمن جهة تم استغلال جملة من الأفكار- التي هي بالدرجة الأولى نتاج قوة حرية التعبير الفكري التي اتسم به الفكر الغربي في مجمله بغض النظر اتفقنا معه أم اختلفنا- ذات الطابع العنصري التي تلاؤم التوجه السياسي . أما من جهة أخرى فقد جرى استغلال الحرية ذاتها في تمرير ما يريده الخطاب السياسي الغربي من وراء الإساءات . وكلاهما بالتالي توظيف حرية التعبير داخل السياسة. إذن ليس الهدف هو الإساءة في حد ذاتها , وإن بدا للكثيرين خلاف ذلك , لذا ما ينبغي التنبه له هو أننا مطالبون بالتوجه لنقد مفهوم الحرية في الفكر والمجتمع الغربي بدل أن نرفع في وجهه سلاح العنف الكلامي والقضائي.Alhirz@alyaum.com