محمد الحرز

محمد الحرز

يصر بعض المثقفين العرب وبالخصوص الإسلاميين منهم أن يتناول الشأن العام من منظور المقاربة النصوصية وليس انطلاقا من الواقع , على اعتبار أن النصوص التراثية ( التفسير, الفقه ,علم الكلام, الحديث , فلسفة الوحي) هي الأساس المرجعي الذي ينبغي من خلاله فهم أزمات المجتمع العربي الإسلامي . وهم بهذه الخطوة حسب رأيهم يوثقون علاقتهم بالتراث من جهة استيعابه وتوظيف هذا الاستيعاب في فهم مشاكل الحاضر . وهم بهذا وذاك يتوسلون المعرفة المعاصرة في تجسير الفجوة بين الماضي والحاضر لأجل المستقبل . وقبل تناول نماذج معينة تدخل ضمن هذا الباب , علينا أن نحدد ما المقصود هنا بالشأن العام ؟.باختصار هو مصطلح ارتبط ظهوره في الفكر السياسي الغربي مع ظهور ما يسمى بمجتمع المؤسسات المدنية والحقوقية, وتطور لا حقا إلى مسارات عديدة يصعب ضبطها في مصطلح أو مفهوم معين بسبب صعوبة ضبط تحولات الواقع, وضبط إيقاع ظواهره الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والعلمية. لكن جميع الباحثين يتفقون على الأثر الكبير الذي خلفه اقتصاد السوق الحر أو المعولم في بنية هذه المؤسسات . ولسنا هنا في محل نقاش مثل هذه التطورات . ما يهمنا في الأمر هو التلازم البنيوي أو شبه العضوي بين ما يفرزه الواقع من ظواهر إشكالية من جهة , وبين ذهنية التفكير من جهة أخرى . أي كلما استجدت أمور في الحياة الحديثة وجدنا الفكر الإنساني ذهب في مغامرة معرفية كي يستكشف بواطن هذه الأمور. تحركه الرغبة في المعرفة والفهم. منطقه اجتراح المجهول والمشي على الحافة والإنصات إلى مياه المعرفة التي تنحبس بين الصخور. لا يعوقه منطق التبرير ولا الارتهان إلى سلطة سياسية أو اجتماعية. الحقيقة العلمية هي رهانه الأول والأخير. لذلك لا يبني أسوارا حول حدود تفكيره , ولا يطلق سهما نحو فضاء المعرفة, وحين يمل منه الهواء فيسقط؛ يقول هذه حدودي . التاريخ والإنسان والمجتمعات والواقع هي ظواهر ثقافية بالنسبة له لا أقل ولا أكثر. بهذا المعنى كان هذا الفكر الإنساني العصب الذي يغذي جميع التيارات الفكرية والفنية والسياسية التي برزت على واجهة أحداث القرن العشرين حين تأدلجت وتحزبت , واتخذت لها مواقع يمينية ويسارية , ولم تأل جهدا في حشد الجماهير , وصنع الشعارات وترويجها للوصول إلى التغيير عن طريق الثورات . هذا ما رأيناه في الحركة البلشفية والنازية والخمينية . رغم تباين واختلاف هذه الحركات في توجهاتها الفكرية والسياسية, ورغم ما اتصفت به من تفكير شمولي وانغلاق على منظومة فكرية أحادية الطابع , لكنها بلا شك وثيقة الصلة من جهة الاستجابة للمتغيرات التي تطرأ على واقعها الاجتماعي , وهذه بالتأكيد إحدى مكتسبات الفكر الإنساني الحديث الذي للأسف لم يستفد منه العرب في مقاربتهم لواقعهم وأزماته المتلاحقة . وهنا تكمن الأزمة حسب رأي الباحث د. تهامي العبدولي في كتابه « أزمة المعرفة الدينية « . رأيه يستند على جملة من المعطيات والتصورات أهمها في نظري تشخيصه ومعالجته للبحوث والدراسات التي تناولت مفهوم التجديد في الثقافة الدينية من منطلقين الأول هو محاولة تأسيس قراءة حديثة للنص المؤسس , والآخر هو الاستعانة بالعلوم الإنسانية التي أنتجها الغرب لتأسيس مثل تلك القراءات . وهو يستدعي ثلاثة نماذج كي يضعها تحت مجهره النقدي الأول هو الدكتور نضال عبد القادر الصالح الذي كان مسؤولا عن شؤون الجالية الإسلامية في تشيكوسلوفاكيا, من خلال كتابه « هموم مسلم التفكير بدلا من التكفير» أما الثاني هو الباحث الدكتور محمد شحرور في مجمل بحوثه وكتبه حول تجديد قراءة النص القرآني . أما الثالث فهو الفقيه والعالم الإيراني محمد مجتهد شبستري خصوصا في بحوثه حول تجديد علم الكلام الإسلامي. وهو إذ يحلل هذه النماذج فإنه يستند على منهجية صارمة, هي منهجية الدراسات الأنتروبولوجية الثقافية. يقول في الكتاب ذاته « إن مشروعنا في هذا الكتاب إن صح ذلك يبدأ من اقتناع أننا لن نكون قادرين على فهم عالم الثقافة إلا إذا تعمقنا قبل كل شيء في معرفة منطق الاشتغال وتحديد الآليات الثقافية الكلية , وكنا في جوهر الحدث الثقافي نتناوله في خصوصيته المتمثلة في كونه وجودا يرتبط بالوجود الاجتماعي ويوازي الوجود الطبيعي ثم يتواصل معه. وبمعنى أخر نحن نحتاج إلى بناء علم يختص بدراسة الثقافة «. يريد أن يخلص من خلال كلامه إلى أن الثقافة بالمفهوم الأنتروبولوجي لا تعني التصور العامي للثقافة الذي يعتبر الثقافة ترفا وامتيازا يعود إلى الصفوة أو إلى» صفوة الصفوة» حسب مصطلح ابن الجوزي , فهذا التصور هو تصور نخبوي يقرن صفة الثقافة والمثقف بنعوت تكريمية . « إن أميز ما ينعت به هذا الموقف من الثقافة إنما هو ضيق أفقه إذ يأخذ الجزء مأخذ الكل ويعتبر الزاد المعرفي المدرسي هو وحدة الثقافة بل الثقافة بالف ولام التعريف « . يتجاوز التحديد الأنتروبولوجي للثقافة هذا التصور التعليمي للثقافة. يقول هيروسكوفيتش في كتابه « أسس الأنتروبولوجيا الثقافية « كل ما في المحيط الطبيعي من صنع الإنسان» . فصنع الإنسان لم يكن من إنتاج النخبة أو الصفوة , كما أن كل المجتمعات الكتابية واللاكتابية قد أنتجت لنفسها رؤية للعالم وللأشياء , بقطع النظر عن طبيعة هذه الرؤية سواء كانت سحرية أو أسطورية أو لاهوتية ميتافيزيقية أو علمية وضعية فلكل الشعوب أوديستها الخاصة . خلاصة القول هو أن مأساة الإنسان مع الثقافة بدأت حينما أنتجها لكنه في طور لاحق أصبح أسيرا وتابعا لها بامتياز. لذلك لا وجود لثقافة خارج إطار التطور التاريخي للإنسان. انطلاقا من هذا الرصد للمنهج الذي بيناه سعى الدكتور التهامي من خلال بعض المفاهيم التي استخدمها في التحليل مثل مفهوم الاستبدال , ومفهوم الإقحام إلى تبيان أن هذه النماذج وقعت في فخ الأدلجة حينما افترضوا مسبقا أن الأزمة تكمن في الآليات وليست في المرجعية , لذلك استساغوا لأنفسهم الأخذ من المناهج الغربية - في عملية إقحام - ومن ثم النفخ في الأزمة من خلال استخدام وتوظيف هذه المناهج , مستبدلين رؤية برؤية أخرى فقط دون المس بجوهر البنية العميقة للتفكير التي تنتج المعنى والمعايير والقيم من أخلاق وعادات وتقليد وعقائد وطقوس وأساطير, تماما كما حدث في تاريخنا الإسلامي حينما تفككت الدولة الإسلامية إلى دويلات متناحرة وأصبحت المجتمعات الإسلامية ليس لها القدرة على مقارعة الأعداء والغزاة المحتلين, عندها تصاعدت أصوات من بعض علماء المسلمين , كان دافعها هو النظر إلى أزمة المسلمين باعتبارها أزمة ابتعاد عن نص وعن نقاء السيرة الأولى وليس إلى واقع موضوعي , الأمر تكرر كذلك في عصر النهضة من خلال مسألة تخلف المسلمين عن الركب الحضاري الغربي, وليست مقولة رفاعة الطهطاوي عن مسلمين بلا إسلام والعكس سوى دلالة عميقة على أن مفهوم التخلف لم يخرج من شرنقة الفصل التعسفي بين الإسلام من جهة ( نتساءل هنا أي إسلام المقصود هنا ؟!) وبين تاريخ وثقافة المسلمين من جهة أخرى . هذا المفهوم على يد أصحابه لا يرى الوشائج بين الاثنين, فبالتالي يسقط في وهم معرفة واقع الأزمة التي تمر بها الأمة الإسلامية. وهو وهم يبقي مسألة التخلف على مسافة ليست قصيرة من تأثير الوعي التاريخي الذي من أهم سماته التفسير العقلاني للأشياء بامتياز .