محمد الحرز
الانسياق خلف شعار الطائفية في تحليل ووصف ما يجري في المنطقة وبالأخص في العراق , هو انزلاق خطير في الوحل السياسي الذي يراد لهذه المنطقة أن تتوغل فيه حد التفسخ والضياع . وليس أدل على ذلك ما نراه من تسابق المثقفين والكتاب الصحفيين في وسائل الإعلام باختزال الوضع المعقد في العراق بوصفه أزمة طائفية بالدرجة الأولى, ناهيك عن الرأي العام العربي الذي لا يحتاج إلى تجييشه وتحريكه سوى إلى أقل القليل من الجهد الإعلامي الموجه والمدروس . إن أسوأ ما تركته الأحداث التي تجري حاليا في العراق من آثار هو أنها كشفت مدى الهشاشة في التفكير , والسطحية في نظم الإدراك , والانتهازية على حساب القيم والمبادئ والأخلاق . حتى أصبحنا نرى الساسة والمثقفين الذين يلهثون خلفهم لا يمانعون في التنظير للطائفية إذا اقتضت المصلحة السياسية ذلك . بل تصبح الطائفية في نظرهم من أهم المشكلات التي تفتك بالمجتمع العربي تاركين لوعيهم الإيديولوجي بعد ذلك أن يستدعي شواهد من التاريخ الإسلامي لتوظيف أحداث الحاضر واستغلاله بما يخدم مصالح سياسية آنية , وأهداف إستراتيجية غايتها تعزيز الهيمنة والسيطرة على شعوب المنطقة. ولا أريد هنا أن أكون واحدا من الذين يوزعون صكوك العمالة بالمجان ضد كل من رفع شعار الطائفية في نظرته للأحداث , لكني أقول بكل وضوح عندما يعمد المثقف إلى تحليل الأحداث من زاوية الأثر الطائفي فقط يصبح كأنه ينظر من ثقب الباب إلى غابة كثيفة بالأشجار مليئة بالأنهار ومحاطة بالأسرار , ويكون بالتالي حدود النظر للغابة هو الذي يحدد طبيعة موقفه منها ومعرفته بها . هذا هو بالتحديد ما ينطبق على بعض خطابات المثقفين الذين لم يحاولوا أن يتجاوزوا عتبة الباب , ناهيك عن الدخول إلى الطرقات الملتوية للغابة ذاتها . مكتفين بالنظرة العابرة التي لا تكشف بالقدر الذي تحجب . نظرة عادة ما تكون مراوغة وفي نفس الوقت عبثية . هي نوع من الاطمئنان النفسي الذي يتلبس المثقف عندما تذهب به إلى حد اليقين في تفسير ما يجري . لذلك شاهدنا كيف جرى توظيف خطابات بعضهم سياسيا ليس من باب التواطؤ , ولكن لسبب بسيط هو عدم تحصين المثقف خطابه ضد كل توظيف سياسي , وكذلك سد كل ثغرة في خطابه كي لا يتم استقطابه في التجاذبات السياسية التي تتصارع فيما بينها, هذا إذا سلمنا بطبيعة الحال بحسن نية الكاتب من الأساس . إن الانسياق وراء التحليل الطائفي في وضعية كوضعية العراق ما هو إلا مصيدة لتكسير مثل هذه الحصانة إن وجدت ؛ لتسهيل عملية التوظيف والاندماج. وبالتالي سهولة الاصطفاف خلف القرار السياسي أي كان توجه أو طبيعته وأهدافه . وحتى لا نقع في نوع من السجال العقيم الذي لا يفيد التحليل لم نذهب إلى أخذ نماذج معينة من بعض خطابات المثقفين , لأن ما يهمنا بالدرجة الأولى هو الكشف عن مساوئ مثل هذا التوجه في التحليل بوصفها ظاهرة تكاد تكون سمة من السمات المكونة للثقافة العربية. لقد كشفت لنا هذه المساوئ عن بعدين , أو لنقل أزمتين الأولى أخلاقية , والثانية تاريخية . وهما أزمتان لم تستطع الثقافة العربية تجاوزهما منذ عصر النهضة وإلى الآن . بل نجد مفكرين كبيرين مثل طه عبد الرحمن , وفهمي جدعان يرجعان جذور أسبابهما إلى أبعد من ذلك , إلى التحالف القائم بين السياسي والمثقف ضد سياق تطور المعرفة ذاتها في التاريخ الإسلامي . لذلك هما يركزان في مشاريعهما الفكرية على فكرة « نقد الأفعال وليس الأقوال « على حد تعبير جدعان بوصفها الطريق إلى المستقبل ,والضمانة الحقيقية كذلك في فتح الآفاق المسدودة في تطور الثقافة العربية . والأزمة الأخلاقية القائمة في المجتمع العربي هي من نتاج فقدان البوصلة في الخطاب العربي لنقد الأفعال , فالنفاق والانتهازية والأنانية والاستغلال ليست سوى صفات ترسخت في الشخصية العربية سواء كان ذلك المشتغل بالثقافة من الداخل أو كان خارج اشتغالاتها. الديكور الخارجي لا يهم ما دامت هذه الصفات ضاربة في العمق . أي في التكوين الثقافي والاجتماعي والروحي وليس الطبيعي أو البيولوجي كما يذهب إلى ذلك أصحاب المذاهب الشوفوينية أو العنصرية . هذه بالتأكيد أزمة أخلاقية رأينا تجلياتها في ردود الأفعال التي حولت المجرم صدام إلى شهيد بين ليلة وضحاها رغم اعتراضنا الشديد على التوقيت وتداعياته . أين يكمن السبب ؟ هنا نصل إلى نتيجة مؤداها أن الشخصية العربية فقدت كل صلة تربطها بذاكرتها التاريخية , وأصبح تداعي اللحظة الراهنة بكل تشعباتها السياسية والاجتماعية والدولية هي التي تتحكم في السلوك والتفكير , وتضغط عليه باتجاه اتخاذ مواقف ظاهريا يمكن وصفها بالطائفية , ولكن في العمق منها يمكن فهمها بطريقة مختلفة , شريطة أن نحاول فهم ما يجري بمعزل عن أثر التحليل السياسي الآني الذي لا يتجاوز حدود نظره أصابع الكف. والسؤال الذي نصل إليه هنا هو كيف يمكن تحصين خطاباتنا الثقافية ضد التسييس خصوصا في ظل الوضع المضطرب للمنطقة ؟ أزعم أن الرجوع إلى تحليل التاريخ في فهمه الشمولي يشكل الحصانة ضد أي اختراق , ولنا في مدرسة الحوليات التاريخية الفرنسية أكبر عون وسند. يفرق المؤرخ الفرنسي المشهور فردنياند بروديل بين التاريخ الحدثي ذي الإيقاع السريع , أي زمن الأحداث اليومية المتتالية , والتاريخ اللاحدثي ذي الإيقاع البطيء , أي زمن البنيات العميقة والتحولات الهيكلية غير الظاهرة . «ويذهب بروديل إلى أن الزمن الحدثي الذي يسميه أيضا زمن الحروب والهدن هو الذي استأثر باهتمام المؤرخين على الرغم أنه نسبي وجزئي ومضلل أحيانا باعتباره يقف عند التموجات السريعة التي لا يتسنى فهمها وضبطها إلا في سياقها البنيوي الأعمق « . من هنا يحق لنا التساؤل أليس الاقتتال الطائفي في العراق هو النتاج الطبيعي لأسباب ليس لها علاقة بالطائفية ؟ لكن الكتاب والمثقفين اهتموا بالنتائج وأهملوا الأسباب , لأن الأولى مريحة سهلة لا تحتاج إلى إعمال للفكر والتفكير , بينما الأخرى تحتاج إلى موقف مستند على وعي تاريخي متجرد من كل أثر آني عليه على قدر المستطاع والمتاح .يقول جورج قرم في معرض تحليله للانحرافات والأوهام التي تمس طرح الإشكاليات والأزمات العالقة بين العرب والغرب ضمن ما يسمى بصراع الحضارات والهويات الدينية « إن من اجل بناء نظام إدراكي بديل لتحليل مآسي المنطقة يجب النظر بدقة إلى المسارات التاريخية المختلفة والمتباينة التي تميّز الأحداث التي حصلت في اوروبا من الأحداث التي حصلت في منطقة الشرق الأوسط، وفي شكل خاص المشرق العربي. والحقيقة أن لب الموضوع يتعلق بتكوين الذاكرات التاريخية وكيفية إثارة التذكر الجماعي عند العرب والغربيين» . وهو في هذا الإطار يعيد النظر في الصراع الإسرائيلي - العربي من منطلق فهم التجربة الأوروبية في إطارها التاريخي , وكذلك فهم تجربة العرب في إطارها التاريخي أيضا . هذا التحليل وحده يرفعنا عن السقوط في متاهة الحروب الدينية والمذهبية التي يراد لها أن تنهض من تحت التراب وكأن طائر الفينيق الديني سوف يضلل المنطقة برماده عما قليل في أسوأ تأويل يمكن أن يحدث للمنطقة وخصوصا في الخليج.mohmed_z@hotmail.com