محمد الحرز

محمد الحرز

الكشف عن الجذور المعرفية لمنجزات الفكر المعاصر هو كشف يفضي بالضرورة إلى التعرية والفضح, وهذا العمل سوف يأخذ شكل الهاجس الذي يحرك الخطابات المعرفية من مواقعها المختلفة باتجاه مرجعياتها الثقافية. قد تكون هذه الممارسة أو هذه الرؤية هي ديدن الفكر الغربي, وهي سمة تميز اشتغالاته عبر تاريخه الطويل. لكن الجدة لا تكمن هنا إنها تكمن في موقع آخر خارج إطار المرجعيات العقلانية أو ( اللوغس) الغربي, إنها تجربة تحاول أن تعيد فيها - سواء وعت أو لم تع - الهامش المقموع في التراث الإغريقي. أن تعيد الغرائبي واللاعقلاني , وكل أشكال الفكر المنزاح عن قبضة ( اللوغس) , وصرامته المنطقية , فهي عودة لغرائبية أوليزيس الإغريقي, وحضور يصارع حضور أرسطو الإغريقي أيضا. هذه العودة فرضت نفسها على الفكر الفلسفي المعاصر (المابعد حداثي), وتطبعت بطابعه, من خلال العودة إلى الإرث الفكري للفلسفة الهرمسية منذ أوائل انتشارها في العصر الهيلينيستي بالتحديد , هذا ما يؤكد عليه الفيلسوف أمبرتو إيكو في كتابه ( التأويل بين السيميائيات والتفكيكية ) ترجمة: سعيد بنكراد , المركز الثقافي العربي2000 , والتي هي عبارة عن محاضرات ألقاها في جامعة يال سنة 1962م. حيث يقوم في الفصل الأول ( التأويل والتاريخ ) - وهذا ما سيتم مناقشته بالتحديد- بالاستدلال أركيولوجيا على حقيقة ( أن الفكر الذي نطلق عليه ما بعد الحداثة سيبدو في مجمله , وكأنه ينتمي إلى الماضي البعيد ) ولأجل ذلك فهو يبين: أولا : صعوبة المصطلحات التي تحدد مفهوم العقل, ومفهوم اللاعقل . فهناك ثمة التباسات لم يخل منها تاريخ الفلسفة , فليس هناك إجماع على ( وجود نمط واحد للتفكير لا ينظر إليه لأنه لاعقلاني انطلاقا من نموذج تاريخي لنمط آخر للتفكير, هو نفسه ينظر إليه بأنه تفكير لاعقلاني ) حيث يكفي أن تعاين الاختلاف بين منطق أرسطو, وبين منطق هيجل كي يتضح هذا الارتباك في التحديد والتعيين .ثانيا: يرى أن مقولة (الحد) والتي يمكن استخلاص مترادفاتها من القاموس الفلسفي بوصفها مبدأ معياريا لغويا للتمييز بين ماهو عقلاني ولاعقلاني , لم تكن بالقدر المطلوب في ترسيخ قاعدة معيارية, لها ثقلها داخل اللغة الفلسفية الغربية . غير أن هذه المقولة - من جانب آخر - ( الحد أو الحدود رؤيتان كل واحدة منهما تمارس تأويلها للعالم والنص والحياة بآليات مختلفة ( وهنا يتقابل الفكر الهرمسي المولع بالعجيب والغرائبي أمام الفكر العقلاني الأرسطي المنطقي الصارم ) إذ تتجلى ملامحهما وتجسيداتهما في تاريخ روما القديمة , أي التاريخ الاجتماعي والسياسي لذلك العصر , ولسنا هنا بحاجة في ذكر الأمثلة على هذا التجلي أو التجسيد .ثالثا : يحاول بعد ذلك الإمساك تاريخيا بفرضية تلك المقولة بمستواها المعرفي- الفلسفي , إذ يذهب إلى أن تلك المقولة انبنت داخلها تصورات لمفهوم الحدود وإن اختراقها هو عمل تدنيسي يوجب العقوبة والنبذ والطرد والإقصاء ويلازم ذلك تصور آخر للزمن يتسم بالطابع الخطي المتتابع الكوسمولوجي المأخوذ بفكرة النهايات حيث هذه التصورات تشكل نموذجا للعقلانية الغربية الحديثة. رابعا : يرى أنه إذا كانت فكرة الحدود أو النهايات تمثل في العمق الأساس المعرفي للعقلانية الغربية , وإذا كان كذلك التاريخ الفلسفي للعقلانية الإغريقية , هو الإرث الأكثر شيوعا والأكثر سيطرة لفكر الحداثة المعاصر , فإن هذه الحقيقة التأويلية للعالم والوجود والنص, لا يمكنها أن تغيّب الطرف التأويلي الآخر من الحضارة الإغريقية على الدوام, إنه طرف ملتصق بتراثه حتى وإن كان تأويله يفارق التأويل الآخر ( العقلاني) . إنه تأويل يستند بالأساس على فكرة اللانهائي ( لقد كان العالم الإغريقي فريسة لفكرة اللانهائي ) وأكبر تجليات هذه الفكرة كانت على يد الفكر الهرمسي والغنوصي بوصفه فكرا يتشكل من متون ووصايا وهوامش ورسائل. يمكن هنا أن نناقش هذه الفرضية بشيء من المعقولية حيث يبدو أن الكاتب لم يذهب بعيدا خلف ما وراء الفكر الهرمسي من تأثيرات سابقة عليه . فلا يمكن أن نزيح من السياق أثر الفكر الفيثاغوري أو مدرسة الأفلاطونية الحديثة. ولا شك أن الكشف عن هذه المناطق التأثيرية يسبب إحراجا شديدا للفكر الغربي الحديث, بما تطرحه أو تثيره من إشكاليات في مرجعيته المعرفية , حيث تعلم تماما أن التاريخ للفكر الفلسفي لم يقطع صلته بالشكوك حول مرجعيات الفكر المعاصر, خصوصا إذا أدركنا أن هناك وجهات نظر متعددة ومتضاربة كلها تدور حول الجدل الفكري بين الشرق والغرب إبان الفتوحات الكبرى للاسكندر المقدوني في الشرق. والكاتب لا يأخذ هذا بعين الاعتبار, بل نجده في تتبعه لأثر الفكر الهرمسي, من بداياته إلى التحامه في نسيج الفكر المعاصر يغفل جوانب مهمة هي بمثابة بؤرة مركزية لا يمكن تجنبها في التحليل الأركيولوجي . يقول (.. وإذا كان هذا هو حال الأفكار الهرمسية الكلاسيكية , فإنها ستظهر من جديد لحظة انتصارها على العقلانية السكولائية في القرون الوسطى , فالمعرفة الهرمسية ستحافظ على وجودها طيلة القرون التي حاولت فيها العقلانية المسيحية إثبات وجود الله عبر نماذج برهانية مستوحاة من الحد المطروح , إنها ستستمر على شكل ظاهرة هامشية في أعمال الخياويين والقباليين اليهود , وفي أحضان ما تبقى من الأفلاطونية الجديدة في القرون الوسطى . وسيعاود هذا المنتوج الذي ينتمي إلى القرن الثاني الظهور من جديد , مع إطلالة ما نطلق عليه العالم الحديث ) . ما لا يقوله الكاتب هنا يتضمن التساؤل التالي : هل يمكننا أن نسلم بأن الفكر الهرمسي هو المرجعية الثقافية المعرفية بجانب المرجعية العقلانية الإغريقية لأبجديات الفكر الفلسفي الغربي الحديث !؟ ألا يمكن الافتراض أو على الأقل , التلميح إلى وجود مرجعيات أخرى ضمن نفس السياق تكون لها القوة التأثيرية ذاتها !!.. إنه يوحي إلى قارئه , وكأن الفكر الهرمسي يمثل دلالة متعالية عن التلاقح الفكري بين الشعوب , وكأنه - أيضا - يمثل خطا مستقيما لا تشوبه نتوءات أو التواءات تغير من ملامحه . إنه يمرر تحولات القرون الوسطى الثقافية بطريقة توحي بأنه لا توجد قفزة نوعية في تمفصلات هذا الفكر , أو حتى تحولات شكلية تُفرض عليه من الخارج .إن تاريخ الفكر الديني والفلسفي يعطينا أكثر من دليل على صعوبة الإحالة إلى الأصل والمنشأ , وذلك فيما يخص بالدرجة الأولى النظام الأبستمولوجي لتاريخ الأفكار . فكما نجد فكرة اللانهائي عند الهرمسية , كذلك نجدها - مثلا - عند الأبيقوريين فهم يقولون ( أن الروح دائما في حالة تناغم مع اللامتناهي) وهكذا يمكن أن نوضح ذلك بأكثر من مثال .إننا نهدف من وراء ذلك إلى أن نشير إلى نتيجة خلاصتها هي : أن الفكر الهرمسي - خصوصا في العصر الوسيط - لا يمكن إغفال تطوره وانفتاحه على يد المدرسة الحرانية أو فلاسفة الصابئة الحرانيين ورائدهم هو الفيلسوف ثابت بن قرة الحراني , وكذلك أبو أسحاق الصابي , ولا يمكن كذلك أن إغفال ما لرسائل إخوان الصفا من أثر , بما تحتويه من فكر هرمسي عميق. فهذه ظاهرة تاريخية لا يمكن القفز عليها , أو عدم أخذها بعين الاعتبار في التحليل التاريخي , وإذا ما حاولنا أن ندمج هذه الظاهرة ضمن سياق فرضية أمبرتو إيكو - في الواقع ليس إيكو وحده من يصرح بها , بل هناك سيل من المفكرين , نذكر منهم واحدا على سبيل المثال هو جيلبر دوران الذي يؤكد ( بأن الفكر المعاصر في مجمله يغلب عليه النفس الحيوي للهرمسية ) _ فإننا نحصل على فرضية تشكيكية , وبالتالي يصبح السؤال معدلا أو مصاغا بالشكل الآتي : هل حافظت هذه المرجعيات على صفائها الإغريقي اليوناني !؟.. أم أنه مجرد ادّعاء يرمي من خلفه إلى تغييب ما للفكر الشرقي من قوة فاعلة في الحضارة الإنسانية بوجه عام !! ؟ .. إن هذه التساؤلات تطرح على الوعي الفكري أحد أهم مظاهر التمركز الغربي على نفسه حتى هو فيما يحاول تفكيك تلك المركزية من جذورها الفلسفية.mohmed_z@hotmail.com