محمد الحرز
العودة إلى الجدل الفكري حول التراث الإسلامي إحدى الضرورات التي غذت ومازالت الخطاب العربي وضخت فيه الروح والحيوية، وأعطته بالتالي أهم خاصية تميزه وتبعده عن السقوط في حبائل الإيديولوجيات التي لفت الخطاب نفسه خصوصا بعدما تحررت البلاد العربية من نير الاستعمار. من هذا المنطلق الجدل الذي دار بين جورج طرابيشي والجابري حول المشروع الفكري للأخير علامة فارقة ضمن ما يسمى نقد النقد، في هذه المقالة أحب أن أسترجع قليلا هذا الجدل كي نتذكر دائما أنه بدون الفكر النقدي سوف نظل عالة على الآخرين... ضمن سياق مشروعه النقدي التفكيكي (نقد نقد العقل العربي) كان طرابيشي أصدر كتابيه (نظرية العقل)، عام 96وأتبعه بـ(إشكاليات العقل العربي) عام 98م، وهو بهذا يواصل فيهما محاولاته الجادة في تتبع المصادر الأساسية التي شكلت في مجملها السمات العامة لمفهوم العقل العربي عند الجابري. وربما كان هذا الجهد المضني الذي قام به طرابيشي ينطوي على اعتراف ضمني بالأهمية التي يشكلها خطاب الجابري، وكذلك بما يثيره من إشكاليات وتساؤلات تدور في مجملها حول التراث من جهة، والمناهج والعلوم الإنسانية الحديثة من جهة أخرى، ولئن كان الجابري بهذا الحجم والحضور بحيث استطاع أن يفعل دائرة الحوار ويوسع من نطاق تأثيراتها، ويجعل الكثير من المفكرين والباحثين المعاصرين ينجذبون إليها سواء كان بالسلب أو بالإيجاب، فإن طرابيشي يؤكد منذ البداية أن مشروع الجابري يمثل (عقبة ابستمولوجية) استطاعت أن تحكم سيطرتها على قضايا التراث، وأن تجعل باب الاجتهاد والتأويل مغلقا، الأمر الذي يعكس بصورة واضحة الأهمية التي يعول عليها طرابيشي مشروعه كي يكشف من خلاله عن أهم الجوانب التي شكلت تلك العقبة، والتي تعتبر أيضا حجر الأساس في خطاب الجابري على حد تعبير طرابيشي نفسه، أبرز هذه الجوانب كما بينها في كتابه (نظرية العقل) أولا: الكشف عن زيف التقسيم التعسفي للعقل العربي إلى عقل برهاني وآخر بياني وثالث عرفاني، وكذلك تصوره العلاقة التي تقوم بين هذه التقسيمات التي هي مجرد صراع ينتهي بانتصار العقل العرفاني. هذا ما أدى به - حسب قوله- بإصدار أحكام خاطئة في بعض مفكري الإسلام وفلاسفته.ثانيا: وجد في تحليله منزلقات إلى المركزية الإثنية، ثالثا: أظهر تهافت بعض المقولات مثل موت العقل البرهاني العربي، وكذلك القول بالقطيعة الإبستمولوجية (المعرفية) بين المشرق العربي وغربه، وايضا حكمه على الفكر العربي المشرقي بالتهويم الصوفي، والمغربي بالعقلانية. رابعا: كشف عن وقوع الجابري في آفة الانتقائية بل التزوير عندما قارب الفكر الأوروبي الحديث مختزلا أياه في فلسفات: مالبرانش وديكارت وسبينوزا وهيجل غافلا أهم مرتكزات هذا الفكر مثل نيوتين وغاليليو وبويل وغيرهم الذين صنعوا الثورة العلمية التجريبية في أوروبا، وأخيرا: الكشف عن المغالطة التي ذهب إليها عندما قال عن العقلية اليونانية التي تتسم (بالديمقراطية والتعدد بينما العقلية العربية اتصفت في نظره بالبداوة والطغيان والفساد، وذلك من خلال قراءة خاطئة لبعض النصوص الخلدونية)، وعلى الرغم من البراعة والقدرة التي أظهرها طرابيشي في تتبعه الدقيق لآليات التحليل وما نتج عنها من مفاهيم من خلال اشتباكها مع مرجعياتها الفكرية والمنهجية، فإن النتائج التي توصل إليها لا تعد سبقا معرفيا، فقد توصل إليها بعض المفكرين قبله الذين ناقشوا أطروحات الجابري مثل طه عبدالرحمن، عبدالسلام بن عبدالعالي، وطيب تيزني وعزيز العظمة، وكشفوا عن لا تاريخية المقولات الجابرية برغم بريقها وألقها الكبيرين، في هذا السياق يقول د. محمود إسماعيل (إن الانتقادات التي وجهها المؤلف إلى فكر الجابري، سبقه إليها الكثير من الدارسين ومن المؤكد أن المؤلف اطلع على كتاباتهم لكنه للأسف لم يشر ولو مرة واحدة إلى أي منهم برغم ثراء توثيقاته وأمانتها.. لقد أتعب المؤلف نفسه ليتعب قراءه باجترار معلومات معروفة سلفا، إذ أن أقصى ما توصل إليه لا يزيد عما قرره سابقوه وحسبي إلى حكمي الشخصي على مشروع الجابري بأنه ترديد لمقولات الاستشراق الكلاسيكي خصوصا المتحامل منه على الفكر الإسلامي، وإعادة صياغتها ودعمها بمناهج غربية حديثة ومعاصرة). أما بخصوص كتاب طرابيشي الآخر (إشكاليات العقل العربي) فإنه يحتوي على فصول ثلاثة: إشكالية الإطار المرجعي للعقل العربي (عصر التدوين) - إشكالية اللغة والعقل - إشكالية البنية اللاشعورية للعقل العربي، في الفصل الأول سعى إلى تفكيك الفرضية الجابرية التي تتعلق بأسطورة عصر التدوين، ثم سعى لاحقا إلى بناء هذا المفهوم أو هذه الفرضية وفقا لآليات الحفر التوسعية التي طالت النص الذي اعتمده الجابري في تثبيت مفهومه عن عصر التدوين زمانيا ومكانيا، وهو بهذا الإجراء استطاع أن يوسع من دائرة استقطاب النصوص التي أخضعها التحليل للنقد.ويمكن أن نجمل بعض المآخذ التي رصدها المؤلف في إطار تحليل المسكوت عنه في خطاب الجابري: أولا: لا يذكر أبدا من أين استقى فكرة وتسمية (عصر التدوين) ومن خلال البحث يصل إلى أن مصدره هو كتاب (ضحى الإسلام)لأحمد أمين، بل ان أصل الفكرة (لا أحب الحديث عن الأصوال) والتسمية وردت في مطالع القرن العشرين عندما وضع الشيخ أحمد الأسكندري كتابه (تاريخ آداب اللغة العربية في العصر العباسي). ثانيا: يسكت عن المصدر الذي نبهه إلى أهمية نص جلال الدين السيوطي في كتابه (تاريخ الخلفاء) نقلا عن نص الذهبي، لذلك يخلص إلى نتيجة وهي عدم إطلاع الجابري على نص السيوطي ناهيك عن نص الزهري، بل انه أخذه أو نقله من أحمد أمين حرفيا دون أن يلاحظ المفارقات والتناقضات التي بين النص الأصلي ونص أحمد أمين، ثالثا: يتوقف عن القراءة التحليلية التي يفترض فيها أن تقوده إلى بيان السبب في اختياره سنة 143هـ كسنة بدء مطلق للانقلاب التدويني الكبير، لأن تلك القراءة حسب المؤلف تثبت أن هناك تناقضا بين هذا التاريخ وبين الوجود الفعلي للرجال الذين وردت أسماؤهم في نص السيوطي باعتبارهم هم الذين قادوا هذا الانقلاب التدويني. رابعا: يغيب عنه تحليل ألفاظ نص السيوطي - الذهبي تحليلا دلاليا، هذا الأمر جعل المؤلف يتحضر النص الأصلي، ثم يقوم بعدئذ بتحليل المفاهيم التي يحتوي عليها النص (التصنيف - التبويب - التدوين) ويخلص إلى أنها مصطلحات غير مترادفة- عكس ما يظن الجابري- تؤكد بدون شك ليس على بداءة مطلقة لتاريخ عصر التدوين، بل على الاستمرارية،ولا على انقلاب، بل على انتقال تدريجي, خامسا: خلافا لما يؤكده الجابري بأن نص الذهبي ينطوي على مرجعية سلطوية تتمثل في خلفية صراعية وذلك حين أغفل عن تبويب العلم وتدوينه لدى الشيعة، فإن طرابيشي يرى بعد تتبع وتحليل أن هناك أسماء حاضرة من كلا الطرفين في نص الذهبي، ، وهذه دلالة كبرى على عدم اطلاع الجابري على النص الأصلي للذهبي من جهة، ومن جهة أخرى على أن المرجعية المعرفية التي حكمت الذهبي وغيره من أعلام تلك الفترة هي مرجعية احترام وتقديس الصحابة والتابعين وتقديرهما، سادسا: يسكت عن شخص الذهبي بوصفه لم يعايش عصر التدوين، والذين أخذوا منه هذه الفكرة عاشوا في القرن التاسع والعاشر، وهذا معناه حسب المؤلف،(إننا أبعد ما نكون عن رؤية على الساخن لعصر التدوين بل قد لا يكفي أن نقول اننا أمام رؤية على البارد وإنما نحن في الحقيقة أمام رؤية مجلدة جرى تعليبها في القرن الثالث أو الرابع برسم الاستهلاك في القرون التالية).