محمد الحرز
العنوان أعلاه هو عنوان كتاب للباحث والمؤرخ طريف الخالدي , وهو كتاب يندرج ضمن ما يمكن تسميته القبض على مفاصل التفاعل بين الثقافات وتلاقحها الحضاري . وقبل الدخول في أجوائه , والوقوف على أبرز الأفكار الواردة فيه , ينبغي عليّ الإشارة أو التذكير بأن مجمل الدراسات والبحوث في المجالين الإسلامي والمسيحي, والتي اعتنت بهذا الجانب من التفاعل الثقافي لم تتخلص - إلا ما ندر- من التصورات المسبقة والأفكار الجاهزة التي ورثتها منذ أول احتكاك حدث بينهما في التاريخ . ولكن لا نريد أن يتسم كلامنا بالعموميات , فالتطورات التاريخية في مجرى عملية الاحتكاك الإسلامي المسيحي كبيرة جدا , ولا يمكن حصرها في مقال واحد . لكن لا بأس بذكر بعض الأمثلة البسيطة التي توضح للقارئ المسار العام الذي نتجت عنه مجمل تلك التصورات. بعد الفتح الإسلامي للأندلس , وكذلك بعد الحروب الصليبية تشكلت في أوروبا رؤية للشرق الإسلامي تتسم بالسحر والغرائبية والافتتان بروحية الشرق على العموم , حتى تجددت هذه الرؤية على يد فلاسفة عصر الأنوار ,في القرن الثامن عشر, ولكن هذا التجديد في معظمه كان سلبيا وليس إيجابيا . فهذا فولتير في كتابه « محمد والتعصب « يصدر حكما عدائيا مطلقا على الإسلام , رغم خفوت هذه العدائية في دراسته اللاحقة عن الأخلاق, إلا أن هذه الرؤية العدائية ظلت متحكمة من العمق في النظرة إلى الإسلام بشكل عام . ومن مظاهر تجديد هذه الرؤية برزت فكرة الانحطاط الإسلامي , وراح مفكرون وشعراء وأدباء غربيون يكتشفون هذا الانحطاط من خلال مراقبته ودراسة سلوكه وثقافته ( من هنا تأسس ما كان يسمى لاحقا بالدراسات الاستشراقية) , لكنهم لم يكونوا بالمطلق يفكرون إزاء هذا الاكتشاف بأن فكرة الشرق ليس لها وجود خارج رؤوسهم حسب تعبير تييري هنتش. ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى الرحالة الفرنسي فولني الذي زار مصر وسوريا عشية الثورة الفرنسية . يقول عنه هشام جعيط في كتابه « أوروبا والإسلام « « إن فولني إيديولوجي من الدرجة الأولى , وبعد أن قام برحلة طويلة إلى الشرق , وكتب عنها كتابه وصف مصر وسوريا واستخدم فيما بعد تجربته في ملاحظة الأشياء التي رآها في الشرق لينسج مؤلفه الكبير الآثار. في هذا المؤلف نجد بعض النظرات العامة عن الإسلام وعن النبي عليه الصلاة والسلام . فكرة العنف مثلا موجودة فيه يقول : لقد أمكن لمحمد أن يكوّن إمبراطورية سياسية ودينية على حساب موسى والمسيح «. ناهيك بالطبع عن الصور النمطية التي تتحدث عن الاستبداد الشرقي والتي أسس لها مونتسكيو في كتابيه رسائل فارسية , وروح الشرائع , وما يطفح من خلالها تعابير مثل التعصب والفساد وانعدام العقلانية والجمود والفظاظة , تعابير تمثل جميعا في نظر هذا المفكر بعض ثمار الدين الإسلامي . إن هذه التعابير والأفكار لقيت من يرددها خصوصا عند مؤلفي الموسوعات إلى أعلام الاستشراق , حيث باتت تشكل جزءا من الموضات الفكرية الأثيرة في الفكر السياسي الاجتماعي الأوروبي انطلاقا من القرن التاسع عشر وآثاره اللاحقة التي وظفت كعقيدة سياسية في دوائر الاستخبارات الغربية للدول الكبرى . يقول الأديب الاسباني الكبير خوان غويتيسولو بخصوص هذه الصور النمطية « من الممكن القول إنه لا أحد أفلت منها تقريبا , لا هيغل ولا ستيوارت ميل , ولا ماركس نفسه «. أما بخصوص المجال الإسلامي ونظرته إلى الآخر المسيحي فإن العودة إلى المرجعيات الكبرى في الثقافة الإسلامية تبين إلى أي مدى كانت النظرة تتسم بالازدراء والنقص في معظمها , فالعالم خارج دار الإسلام كما يقول عبد الله إبراهيم «غفل , مبهم , بعيد عن الحق , وهو بانتظار عقيدة صحيحة لإنقاذه من ضلاله» . ويكفي أن نذكر سردا لكتب الرحالة العرب ليتأكد هذا المعنى , رحلة ابن بطوطة , رسالة ابن فضلان , المسالك والممالك لابن خرداذبه , ياقوت الحموي معجم البلدان , ابن حوقل صورة الأرض ..إلخ . لكن من الصعوبة بمكان استخلاص نظرة صافية عن صورة المسيح كما هي عند الغرب المسيحي كما فعل هو مع نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام . لقد جرت محاولات في هذا الصدد من طرف الدراسات الاستشراقية , لكنها لم تتخلص من الفكرة الجاهزة التي تقول ان الإسلام بنى تعاليمه وتشريعاته على اليهودية أولا ومن ثم المسيحية . من هنا تأتي أهمية كتاب طريف الخالدي السابق الذكر , لأنه يسد ثغرة كبيرة لطالما ظلت عرضة للمساجلات الفكرية الإيديولوجية , خصوصا ما يتصل بصورة السيد المسيح خارج حدود الأناجيل المعترف بها في الكنائس الغربية من جهة , وبصورته كما أوردها القرآن الكريم من جهة أخرى . حيث المفارقة التي نكتشفها من خلال قراءة الكتاب تتضح في الآتي : بينما كان الفكر الأوروبي في أهم مراحل تاريخه المفصلي يدبج صورة عدائية عن النبي عليه الصلاة والسلام , كان النبي عيسى عليه السلام يحظى بمنزلة عظيمة في القرآن بوصفه أحد الأنبياء الذين اختارهم الله لرسالته وهو بهذا الاعتبار امتداد لنبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم , وقد امتدت هذه المنزلة إلى التراث الإسلامي من خلال المرويات والقصص التي كانت منتشرة عنه أثناء ظهور الإسلام في الجزيرة العربية . من هذا المنطلق بذل الكاتب جهدا كبيرا في تجميع أخبار السيد المسيح الواردة بالأساس في متون المرويات الإسلامية وحاول من خلالها تكوين صورة متكاملة عن المسيح , وكيف كانت النظرة تجاهه داخل هذه المرويات والآثار . وقد قسم دراسته قسمين : الأولى تحتوي على مقدمة يستعرض فيها بشكل موجز الخلفية التاريخية لصورة المسيح في التراث الإسلامي , وكذلك في القرآن الكريم , مع ذكر الدلالات التي تكمن خلف الأخبار المبكرة لقصص المسيح . أما القسم الثاني فخصصه للأحاديث والأخبار التي جمعها طوال سنوات المأثورة عن السيد المسيح سواء في فترة صدر الإسلام أو في فتراته اللاحقة . هذه الأخبار والأحاديث تعادل في صورتها وآثارها في الموروث الإسلامي صورة الأناجيل في الموروث المسيحي , الأمر الذي حدا به أن يسمي كتابه الإنجيل برواية المسلمين . في مقدمته الاستعراضية التي لا تخلو من تحليل عميق وواع للموروث الإسلامي كان يحاول الإجابة عن التساؤل التالي : كيف يمكن فهم حضارة دينية كالإسلام توقر شخص المسيح وفي ذات الوقت ترفض فكرة ألوهيته بشكل قاطع ؟ وما زاد الطين بلة في الابتعاد عن هذا الفهم هو إرجاع معظم المستشرقين صورة السيد المسيح القرآني والتراثي إلى الأناجيل المنحولة والملفقة. وقد كانت بواعث اهتمامه بالموضوع تتجلى في ثلاثة اعتبارات كما يقول» أولا , لا مرغيوث المستشرق ولا أسين ولا أي باحث آخر تفحص الأخبار الكثيرة عن المسيح في مؤلفات إسلامية حققت حديثا , ككتب التقوى والزهد , ومنها ما هو من القرن الثاني للهجرة / الثامن للميلاد ... ثانيا لا مرغيوث ولا أسين ولا أي باحث آخر اهتم بالجانب الأدبي للإنجيل الإسلامي. ولم يهتموا أيضا بدوره التاريخي ومكانته في تطور مفهوم التقوى في الإسلام بشكل عام .ثالثا رغم كثافة الأعمال الحديثة في مجال العلاقات المسيحية الإسلامية وعن صورة المسيح في القرآن والحديث وفي مؤلفات إسلامية دينية أخرى , كان ثمة اهتمام قليل جدا بأوجه تأثير هذه الأخبار والقصص على فهم المسلمين للدين المسيحي. كتاب جدير بالقراءة , وأفكاره لا تتسع له مقالة . لقد قال عنه ادوارد سعيد « إن ما قام به طريف هو عمل مرموق موسع للآفاق عميق التبحر في العلم , بعيد الغور في فهم الدين لم يسبقه عمل على هذا النحو في إرساء التبادل بين الثقافات «.