محمد الحرز
اذا كان هناك باب يمكن طرقه، للدخول على ثقافتنا المحلية، ثم مساءلة وتحليل اهم الاشكاليات والازمات التي تعصف بها من العمق، في لحظتها الراهنة، فان الباب المفضي الى المنتج الابداعي وخصوصا الجنس الروائي منه، هو الباب الاكثر اثارة وصخبا، على الاقل عند نقادنا المحليين، لان ما تقوله الرواية المحلية في نظر البعض هو التعبير الشعوري الجارح الذي خلفته ازمة التحولات الكبرى التي عصفت بالمجتمعات الخليجية. ابان لعب النفط "وليست الثقافة او الفكر الاكاديمي" دورا اساسيا في دخول هذه المجتمعات في عصر الحداثة منذ بداية السبعينات وليست خماسية عبدالرحمن منيف سوى مدخل فقط لفهم تفاصيل مثل هذه التحولات، لان وتيرة حركتها كانت من السرعة بحيث كان يصعب على المفكر او المبدع في الخليج ...ناهيك عن تأملات الفرد الذي يعيش حياته بكل بساطة، ان يثبت اللحظة (هذه اللحظة التي يتداخل فيها التطور الاجتماعي بالتطور الاقتصادي المقرون بالمظاهر العمرانية و المادية التي بدلت او اثرت بصورة او بأخرى على مجمل المفاهيم التي سيجت الحياة الثقافية كمفهوم الثقافة نفسه، وكذلك مفهوم الاحساس بالمفارقة بين زمن واخر داخل المدينة الواحدة في الخليج ـ للفرد في الخليج فترة ليست بالقصيرة من الزمن) في اطار، ثم يتأملها من الداخل بواسطة جنس ابداعي اوفكري، ينتمي بالضرورة الى تاريخ عريق من التقاليد الكتابية الموروثة التي عادة ما يكون اثرها كبيرا في تشكيل الوعي النقدي عند اي مجتمع حينما يقارب قضاياه وازماته الطارئة، كما هو حال تاريخ الجنس الروائي الغربي بالعموم. هذه الصعوبة ليست وليدة اللحظة، ولا تخص المجتمع الخليجي بالتحديد، وانما هي وثيقة الصلة بالمجتمع العربي في علاقته بتاريخ التقاليد الكتابية في ثقافته العربية الاسلامية. يقول عبدالفتاح كيليطو في كتابه "لسان ادم": (الحريري الكاتب العربي الاعظم انتشارا مابين القرن الثاني عشر والقرن التاسع عشر، صار اليوم منسيا للغاية. لقد تعرضت الانساق الادبية لتحول عميق في العالم العربي نتيجة للتأثير الذي مارسه الادب الاوروبي. فصار الحريري رمزا لكتابة لا يجب اعادة انتاجها. نكتب اليوم ضد الحريري) في نظره لم يعد العرب اليوم يجدون في مقامات الحريري ما يعكس صورتهم، بل انهم يتساءلون كيف استطاع مثل هذا المؤلف في الماضي ان يثير كل هذا الاعجاب، مفسرين هذا التساؤل بالانحطاط الذي اصاب الادب الكلاسيكي، وليس مقامات الحريري سوى احد العوامل الرئيسة في هذا الانحطاط، بعد ان كانت هذه المقامات مارست تأثيرها الكبير على القراء في التراث الاسلامي طوال ثمانية قرون، هذه النظرة التبخيسية التي يعزوها كيليطو الى اكتشاف العرب للادب الغربي، لها وجاهتها من جهة، ولكن ـ من جهة اخرى ـ اليست المسؤولية ايضا تقع على النماذج الكتابية السائدة انذاك التي من خلالها تتم عملية الاستقبال والتلقي للاعمال الابداعية. لقد كان نموذدج النص الشارح هو المهيمن على الذهنية الثقافية خصوصا عندما انتفت ان تكون الحواضر الاسلامية مصدر اشعاع لانتاج المعرفة الفلسفية والفكرية والادبية دون ان يختفي هذا الاشعاع واثره تماما من الثقافة العربية كما روج له مؤرخو فترة ما كانت تسمى ـ خطأ ـ عصور الانحطاط والتخلف. وبالتالي اصبحت القراءة الواعية التي تعيد انتاج الاعمال ذات الاثر العظيم مجرد شروحات بعضها يكتفي بالمتن، وبعضها الاخر بشرح الهامش، ثم يضاف اليها عند كاتب اخر "شرح شرح الهامش" وهكذا دواليك، اليست المعاجم العربية تأتي في هذا الاطار، وكذلك النصوص الفقهية والتاريخية والشعرية؟!وفق هذه الوضعية التي تشير الى انحباس ذهنية الثقافة العربية في نماذج ومعايير كتابية لا تلامس تفاصيل الحياة العربية، ولا تخضع لتحولاتها الاجتماعية والسياسية والروحية قدر ملامستها وخضوعها لقوانين القوالب الجاهزة للنموذج الكتابي نفسه، كما هو الحال في الشكل العمودي للقصيدة العربية. فان سؤال التواصل مع الجوانب المضيئة في الموروث لاجل انارة الحاضر، كما يطرحه بعض المفكرين العرب فقد مشروعيته، واصبح سؤالا ايديولوجيا مغلقا على نفسه ولم يعد له معنى على الاطلاق، لان مفهوم التواصل لا يخضع لعملية انتقائية مقصودة وواعية كما تعبر عنها النظرية الحديثة في الاتصال عند الفيلسوف هابرماس. ولان التواصل كذلك نوع من السيرورة التي تحتاج الى تأويل باستمرار. اي الى تجديد دورة الحياة: الفردية والاجتماعية، حيث لا يمكن ان يتم ذلك الا ضمن اطار انفتاح الاشكال الكتابية على الحياة على اعتبار ان هذه الاشكال ليست سوى نتاج التفاعل المستمر بين نصوص تحتاج الى تأويل باستمرار (مثل آلة كسولة على حد تعبير امبرتو ايكو) وبين قراء يمارسون التأويل بذكاء، حيث الارضية المشتركة التي يمارسون فوقها هذه المهنة، ويعبرون عن خصائص تحولاتها، واثارها الاجتماعية والنفسية والثقافية، هي الحياة التي يعيشونها بتفصيلاتها اليومية. وطالما لم نمارس هذا التواصل بهذا المعنى. وطالما كانت الدائرة مغلقة على تلك الاشكال الكتابية الموروثة رغم وجود الخطاب التأويلي للنص الصوفي، حيث يكفي ان نذكر في هذا السياق التفسير الكبير لابن عربي باعتباره نصا تأويليا بامتياز، كان بامكان الثقافة العربية ان تقوم من خلاله بعملية تجديد للاشكال الكتابية الموروثة ولكن النتيجة بالنهاية ولاسباب تفاصيلها تقع خارج نطاق هذه المقالة، جاءت منطقية وعقلانية لقد تأخر العرب كثيرا في طرح مثل هذا المفهوم على حضارتهم الاسلامية، ولم يعد بامكانهم تثبيت التاريخ في لحظة، ومحاولة وصل ما انقطع منه في حدود مستوى التفكير العقلاني والتأويلي، هي محاولة مجرد التفكير فيها يضعنا على عتبة المستحيل وعبثية التفكير والجنون. وبالتالي كانت اغلب خطاباتهم اما تبريرية وانتقائية واحتمائية ودفاعية. واما انتقاصية تتسم بالنبذ والتجريم كما اشرنا الى ما قاله كيليطو سابقا. لكن بالمقابل ماذا كان يحدث على الضفة الاخرى من حوض البحر الابيض المتوسط للثقافة في اوروبا؟ لقد تم في سنوات لاحقة من عصر النهضة الى اعادة انتاج وتأويل لادب شكسبير. ودون كيخوت لسر فانتس، ودانتي في الكوميديا الالهية، وقبلهم للادب اليوناني وكذلك للنصوص الفلسفية للمشائية والارسطية، ومن ثم لسبينوزا، وكانط وهيجل وماركس، كل ذلك في قلب الحداثة التي شهدتها اوروبا في القرن العشرين. لقد اكتمل عقد القرن العشرين على صعود جنس كتابي ابداعي له تاريخه العريق والمؤثر على الحياة الغربية، حيث لم تكن الرواية بذلك سوى الرافد الحقيقي لاستكمال المعرفة الغربية، في شتى الحقول العلمية، لصعودها العالمي. الم يكن على سبيل المثال نص فرويد وكذلك نيتشه ماثلين في روايات روبرت موتسيل وبالاخص رواية (الانسان الخالي من السمات) الم ينطلق ازرا باوند هذا الشاعر الكبير في عمله الضخم (الاناشيد) من فكرة ثابتة تقول اذا كان رامبو قد بحث دائما عن النور ـ الطبيعة فلم لا ابحث عن النور ـ الثقافة وقد وجد ضالته في الثقافات القديمة: الصينية والفرعونية هذه الامثلة البسيطة تدلل على روح التواصل مع تاريخ الفكر من جهة ومع الحياة من جهة ولولا ذلك لامكننا ان نجد اوروبا تحت وقع الحروب التي طالت مجتمعاتها في القرن العشرين، قد انهارت تماما، ولكن الاحتماء بالكتابة ضد الموت والانهيار كان هو الهدف الاسمى عندهم. لكننا بالمقابل هل حققنا هذا الهدف؟ هنا نعود الى سؤال الرواية المحلية وبابه الاكثر صخبا الذي صدرنا به المقالة. لكن للاجابة عنه في مقال لاحق.