مطلق العنزي

مطلق العنزي

لكل مجتمع خصوصياته.. ولكل ثقافة محرماتها.. ولكل وطن حدود..هذا ما يقوله التاريخ، وما تشهد به بقايا السحنات وهويات الجغرافيا والقرى المحاصرة بالسكاكين..هذا في التاريخ..أما الآن، فإن المسلمات الذهنية ومعرفات الهوية قد تم تكسيرها، وأحياناً طحنها في ماكينة الاستهلاك، و مولدات المال..كثير من النساء العربيات (دهناوية عَوهَجٍ بينَ أعلى عُرءفَةٍ فالصّرائمِ) يحملن أسماء لوسي وسوزان وإلزا، وجاكلين... إلخ).وهذه حتمية العولمة والنتيجة المنطقية للتطور المدني..بمعنى أوضح هذه هي ثقافة المدينة، لأن المدينة هي ميدان التداخل الفكري والثقافي..بينما البوادي والأرياف والقرى تحتفظ بالهوية الشعبية، وثقافة المكان وتاريخه.فإن المدن تستورد الموضات والأفكار والتقليعات وأنواعاً من الاستهلاكيات الثقافية والغذائية والصناعية، لتحاول بعد ذلك تصديرها إلى الأطراف.. فهي الموزع المحلي للمستوردات.ولو لم توجد مدينة لما وجدت العولمة..وأدوات العولمة لم تكتف بغزو المدن والتوطن فيها، بل تمتد إلى القرى والأرياف والبوادي..وحيث يوجد هوائي التقاط من الأقمار الصناعية، وحيث يوجد تليفون جوال، وحيث توجد انترنت.. تتمدد العولمة وتوقظ القرى الغافية، لتركب القطار.. الذين يتصايحون شكاة من أن نانسي عجرم أصبحت ممثلة للهوية العربية، وأن الشباب الشعث الغبر في الفضائيات يمثلون النموذج للشباب العربي الناهض، وإن "دشوش" الفضاء تكاد تغرق الخصوصيات العربية. ليس أمامهم إلا أن يتصالحوا مع الواقع وأن يتصرفوا بحكمة، لأن التيار جارف وسوف يكسر من يقف بطريقه، والحكمة هنا تقتضي أن يبحثوا عن حل حكيم للمشكلة، فالكي ليس أول العلاجات..فهذه الحياة صفقة كاملة، أما أن ترضى بأن تستخدم الكمبيوتر، والسيارة والمكيف، والثلاجة، والتلفون، ولاقط الفضائيات، و"متعلقاتها" الثقافية، وسكن المدينة.. أو الهجرة إلى أرياف معزولة لم تعد تنتمي إلى العالم، ولم يعد العالم يعترف بها..والحكمة الراشدة تقتضي أن يقبل الإنسان الحياة المعاصرة وأن يستفيد من خيراتها، وأن يقدح الذهن لمواجهة شرورها دون أن يحكم على نفسه بالعزلة، والموت، أو يدفن رأسه في التراب.. وترالقرى الناعسة بأطراف الوديان..تنهض مروعة، كما غزلان عجلى ترقب غرباء..هذه الأقمار التي تلمع في الأفق البعيد الداكن..تحمل بشاراتها أو نذائرها.. كحدود السكاكين..malanzi@alyaum.comٍ