محمد الحرز

محمد الحرز

الباحث محمد الرحموني بعد كتابه (الجهاد من الهجرة الى الدعوة الى الدولة) الذي اثار من خلاله موضوعه الجهاد في المصنفات الفقهية، حيث خلص فيه الى (ان الجهاد لم يكن يعني دائما السيف والعنف بل معركة متعددة الاوجه دفعت التاريخ الاسلامي في مختلف فتراته.والجهاد المسلح لم يكن سوى مظهر من مظاهر الجهاد المتعددة والمتنوعة من جهاد مسلح وجهاد سلمي وجهاد فردي وجهاد جماعي وجهاد نفسي.. الخ). سعى في كتابه الاخير (الدين والايديولوجيا) فيما يخص الفصل المخصص عن موضوعه الجهاد الى توجيه ادواته التحليلية ليس الى الكشف عن مظاهر الجهاد عبر التاريخ ومواقف العلماء منه كما في كتابه السابق، وانما حاول درس مفهوم الجهاد في حد ذاته. والدوافع التي حفزته على المحاولة، ومواصلة البحث كما يقول هو اطلاعه على مقالة للمستشرق روبير برنشفيغ عن الفاظ القرآن الكريم ومصطلحاته، وكذلك على باب (فضيلة الرباط) من كتاب السير الكبير للفقيه المعروف محمد بن الحسن الشيباني، لقد خلص روبير - برأيه - او لفت انتباهه الى ضعف المعجم الحربي في القرآن. هذه الخلاصة فرضت عليه كباحث عدة تساؤلات، اولها كيف يكون شكل المقارنة بين القرآن الكريم وبين كتب الفقه التي حصرت مفهوم الجهاد في القتال؟ ثانيا لماذا لا يعاد النظر في الدراسات والبحوث والآراء التي ربطت ربطا وثيقا بين الاسلام والقتال والحرب والعنف؟ واخيرا التساؤل (عن سر هذه الفجوة العميقة بين الخطاب القرآني الذي يميل الى نبذ الحرب والقتال وبعض الخطابات الفقهية التي تتسم بالحدة تجاه غير المسلمين.أما ما لفت انتباهه في باب فضيلة الرباط وبالتالي فتح له ابواب البحث والتفكير هو اقتران الحديث عن الجهاد في هذا الباب بجملة من الواجبات والآداب (بدت لنا للوهلة الاولى غير ذات صلة واضحة ومتينة بالجهاد. من هذه الآداب والواجبات النهي عن الاشتغال بالزراعة وعن صبغ الشعر وعن لبس المصعفر. هذه الواجبات والآداب هي الشروط الضرورية لعزة الاسلام والمسلمين وعدم التقيد بها يؤدي الى الخسران والهلاك. هذا الربط بين الجهاد والزراعة واللباس والزينة والعزة والذلة غير معهود في كتب الفقه). اذن انطلاقا من هذين النصين حاول الرحموني تأسيس مفهوم مختلف للجهاد مبتعدا عن الدراسات والبحوث التي اتسمت في غالبيتها بالسجالية حول قضايا الجهاد والاسئلة المتكررة التي تدور حولها: هل الجهاد مشروع أم لا؟وهل الجهاد يعني القتال فقط ام يتعداه الى الجهاد الاكبر؟ ولأيهما الاولوية الاكبر ام الاصغر؟ وهل القتال في الاسلام جهاد أم عنف؟. ولاجل هذا التأسيس قسم دراسته الى مرحلتين: المرحلة الاولى هي نوع من المقارنة يتم فيها البحث عن صورة الجهاد في القرآن من جهة, والبحث عنها في المدونات الفقهية من جهة اخرى. وكما قلنا سابقا فقد كان دافع هذه المقارنة عنده هو ضعف المعجم الحربي في القرآن وكثافة حضوره في الخطابات الفقهية. ويضاف الى ما سبق دافع آخر هو التناقضات الكبيرة التي وقع فيها الفقهاء عندما حصروا الجهاد في القتال كما سنرى لاحقا. اما المرحلة الثانية فهو يحاول الحفر عميقا في مفاهيم غدت اليوم من المسلمات مثل مفهوم الكفر والحرب والبداوة والهجرة حيث يعمد الى بناء مدلولات او تصورات جديدة لتلك المفاهيم بحيث تكون وثيقة الصلة بجملة التناقضات السابقة الذكر. في بداية تحليله يحدد ان مآزق الفقهاء تكمن في قولهم (ان الجهاد اعم من القتال ولكنهم لم يتحدثوا في مصنفاتهم الفقهية الا عن القتال (مشروعيته وكيفته وشروط المقاتل واحكام الشهيد وكيفية توزيع الغنيمة وكيفية ابرام العهد..). ولم يستعملوا مصطلح قتال عن وعي لانه مستفظع في القرآن. هذا ما اوقعهم في مآزق. ثم يضرب امثلة عديدة على ذلك, ومن كتاب الجهاد وكتاب الجزية واحكام المحاربين من كتاب اختلاف الفقهاء لابي جعفر محمد بن جرير الطبري يستشهد بقول بعضهم: (ان علة جهاد الكفار هي الكفر مع استثنائهم نساء الكفار واطفالهم وشيوخهم ورهبانهم: عللوا هذا الاستثناء بكون هذه الاصناف من الكفار لا تقاتل المسلمين اي ان قتلهم مشروط بمشاركتهم في قتال المسلمين، وهم بذلك يقرون ضمنا بان علة قتال الكفار ليست الكفر وانما مقاتلتهم للمسلمين واعتداؤهم عليهم. وكان سفيان الثوري من اوائل الذين صرحوا علنا ومن دون التباس بان علة قتال الكفار ليست الكفر وانما اعتداؤهم على المسلمين). ومن المآزق الاخرى ايضا هو استثناء الجهاد من اركان الدين رغم ايلائهم اياه قيمة كبرى. ثم يورد آراء بعض الفقهاء الذين برروا وحاولوا فك مثل هذه التناقضات او المآزق. لكنها حسب رأيه لم تخرج عن سياق مؤثرات الرؤية الفقهية للجهاد وهي القتال. بعد ذلك يستعرض آراء بعض المستشرقين والباحثين العرب الذين حاولوا تفسير مثل هذه المآزق, والتي يرى هو انها لا تتعلق بالجهاد بمعناه العام بل بالحرب. ومع رفضه وجهات نظر تلك التفاسير يصل الى ما يعتبره العوامل التاريخية التي جعلت مفهوم الجهاد عند الفقهاء محصورا في القتال. يقول (لقد رسخ في الضمير الجمعي ان كل ما طرأ على العرب من تحول ايجابي انما هو بفعل الحرب وحدها.وقد كان تأثيرها على الفقهاء كبيرا ومؤثرا. لذلك نعتقد ان الغزوات المظفرة للرسول - صلى الله عليه وسلم - والفتوحات الكبرى بما هي جهاد - قتال قد طغت على كل معاني الجهاد الاخرى، وان الظروف التي تمت فيها والنتائج التي افرزتها جعلت الفقهاء والمحدثين وغيرهم يعتقدون خطأ ان الحرب وحدها كفيلة باعزاز الاسلام والمسلمين في كل العصور، وان القتال بما هو اقدام على الموت هو اعلى درجات بذل الجهد والمبالغة فيه, وهذا هو الجهاد بعينه, وان الدولة - وهي الاداة التي تضمن قيام دين شامل واستمراره - تستطيع ان تستمر في التوسع والانتشار الى ما لا نهاية له. كل هذه الحروب اثرت في النص الفقهي، فلا ننسى ان الجهاد في الاسلام لم يكن محكوما بنظرية مسبقة.بل ان جملة من العوامل التاريخية اثرت في الجانب النظري، وأهم هذه العوامل حركة الفتوحات. لقد غيبت هذه العوامل وغيرها - حسبما يقول - حقيقة الجهاد, ولكنها مع ذلك لم تطمسه نهائيا، فما زالت كتب القدماء تنطوي على اشارات غائمة وغامضة تحجب بين طياتها المعنى الاول للجهاد قبل ان تحجبه عوامل التاريخ. نص الشيباني هو واحد من هذه النصوص التي تقف شاهدا على ان الجهاد لم يكن يعني القتال كما فهم ذلك الفقهاء، ففيه بقايا المعنى الحقيقي للجهاد في الاسلام). هذا الاستعراض الموجز لمقدمة الكتاب لا يفيه حقه، فهو قابل للمجادلة في افكاره التي تنهض على جدلية الديني والسياسي وتتأسس عليه. ولكن لنا ان نتساءل هنا عن نصوص اخرى توازي في اهميتها اهمية نص الشيباني عند المؤلف نفسه. بمعنى اننا عندما نريد شحن مفهوم ذي طبيعة تاريخية كالجهاد بمدلولات حديثة ينبغي عدم الاعتماد على مصدر واحد فقط، خصوصا اذا ادركنا تاريخيا ان الصراع الفقهي في النصف الاول من القرن الثاني بين فقهاء الحجاز الذين لا يقولون بفرضية الجهاد وفقهاء الشام والثغور الذين يقولون بذلك. هذا الصراع يعكس بصورة او بأخرى اعمق صور الترابط القوي بين ما هو سياسي من جهة وبين ما هو ديني من جهة اخرى. وبناء على منهج المؤلف في كتابه، كان عليه ان يعيد صياغة مفهومه عن الجهاد انطلاقا من عمق ذلك الصراع.mohmed_z@hotmail.com