محمد الحرز
كيف تكون مثقفا عابرا للوزارات بإجراءاتها البيروقراطية المتصلبة في مشهدنا المحلي ؟ جرني السؤال إلى متاهة ، لا أعرف مدى خطورتها ، ولا السبيل إلى تجاوزها . كان عليّ أن أدرك للوهلة الأولى التي قررت فيها أن أدفع الباب إلى آخره كي تطأ قدماي أرض الإبداع والمعرفة والثقافة أن خطواتي لن تسلم من الألغام المدفونة تحت تلك الأرض . ولن أعرف إلا لا حقا أن وعورة المسلك سوف تفجر في رأسي أسئلة اختيارية حاسمة من قبيل : ماذا تختار حصان حياتك وهو يجر عربة الثقافة أم حصان الثقافة وهو يجر عربة حياتك ؟ في البداية لم أميز بين الحياة من جهة والثقافة من جهة أخرى ، كنت أظن واهما أن الأولى هي رافدة للثانية والعكس صحيح . لم أدخل في حساباتي صعوبة المواءمة بينهما ، وكذلك حقيقة كونهما لا يلتقيان على طريق واحدة . أن أصبح مثقفا يعني فيما يعنيه أن أضع حياتي الطبيعية على حافة هاوية مجهولة ، وأقول للريح " هيت لك " .هذا التعارض بين الثقافة والحياة لا أقصد به القناعات والأفكار واتخاذ المواقف والإيمان بمبادئ محددة ، إنما أقصد به كون المرء يضطر حين يمارس عمله الثقافي أن يهيأ له المناخ المناسب والدعم المادي والمعنوي على حساب حياة أسرته في أغلب الأحيان بسبب أمور كثيرة ، في مقدمتها أن الثقافة في بلادنا لا تملك سياقا تاريخيا تراكميا يسمح لها أن تكون ذاكرة مؤثرة في حياة الناس ووعيهم الاجتماعي والتاريخي والديني . وبالتالي ما يسبب انحسارا وتلاشيا لأي معنى للثقافة بوصفها قيمة تحرك السلوك والإدراك والوعي لدمجها في حياة الفرد اليومية ، وكذلك دمجها في حياته الاجتماعية . ويجب التوضيح أن ما أعنيه هنا بالثقافة هو تعميم التربية في احترام الرأي والفكرة والحرية والاختلاف والتسامح ، وكذلك دعم منتجيها والأطروحات والدراسات التي تسعى إلى زرعها في مجتمعنا كما نسعى دائما إلى دعم الفقراء والمساكين كواجب ديني وشرعي علينا جميعا . كان هذا المعنى للثقافة بالنسبة لي غائبا عن أفق التفكير بسبب الطابع التثقيفي الذي كنا مندفعين نحوه بحماس منقطع النظير ( أنا وبعض الأصدقاء من جيلي ) ، والذي أدى فيما أدى إليه إلى القناعة الفكرية التي تقول بالتعارض التام في العلاقة بين الفرد المثقف والمجتمع ، وبالتالي النظر إلى الشأن العام وكل ما يهم الإنسان البسيط في حياته اليومية خارج سياق الاهتمام أو التفكير به كهم ثقافي يأتي في مقدمة أولويات العمل الثقافي الجاد . ولم يسلم من هذه القناعة حتى بعض المثقفين الذين خبروا الحياة وعجنوها بالوعي الثقافي والفكري. ربما في اللحظة التاريخية التي نعيش فيها الآن تكمن بعض الأسباب الموضوعية التي تسمنا بميسمها ، وليس بمقدورنا الإفلات من آثارها على خطابنا الثقافي بشكل عام . لم تكن صفة المثقف مجرد رهان كنت أسعى لاكتسابها منذ البدايات ، بل كانت أيضا بمثابة النهر الذي أغسل فيه ملابسي وجسدي وحتى حياتي ، ولم أكن أرغب في الخروج منه على الإطلاق . لذلك لم أدرك قيمة هذه الصفة في أذهان عامة الناس ، ويمكن أن أقول أنها قيمة فائضة على الحاجة عندهم ، وليس في ذلك نوع من الانتقاص ، ولكن كوننا ذوات مثقفة دون سياق ثقافي مترابط ومؤثر ينتج عنه خلل في العلاقة المفترضة بين المثقف والمجتمع . وبوهم هذه القيمة في أذهاننا كمثقفين رحنا نرسم للمجتمع خلاصه بفكرة مستعارة من هنا ، وفكرة مستعارة من هناك ، والغائب الأكبر في هذا التحليل الذي كنا نسميه فكرا نقديا بامتياز هو تأمل الأسس الفكرية الذي انبنى عليه وعينا الثقافي ومواءمة ذلك بشرطنا التاريخي وعبوره فوق لحظتنا الراهنة . هذه الحقيقة ليست كشفا أو فتحا ، انها حاضرة في أذهان بعض المثقفين إذا استدعى خطابهم السجالي ذلك كآلية للدفاع والهجوم ، وغائبة تماما إذا كان خطابهم الثقافي يروم البحث والتقصي والمراجعة والمعرفة لأجل المعرفة . لا أقول هذا الكلام كي أحمل المثقفين وحدهم تبعات هذا الخلل على عاتقهم وكأنهم خارج سياق النظام الاجتماعي الذي يعيشون فيه. بل كي نقر ونسلم أن الأفكار التي نحملها ما أن تنزل من أفق التفكير إلى أرض الواقع سرعان ما تتحول إلى إيديولوجيا ، والإيديولوجيا تحتاج إلى نقد مستمر ومتواصل ، وهذه إحدى أهم وظائف المثقف التي ينبغي التعود عليها دون انقطاع . ولكن أليست مؤسساتنا الرسمية وغير الرسمية تخضع بطريقة أو بأخرى للممارسة الإيدولوجية بالقدر الذي تحافظ فيه على الهيكلية الإدارية للدولة ؟ دعوني أوضح مقصدي بتجربة مررت فيها. قبل فترة كنت مدعوا من طرف وزارة الثقافة اليمنية في مهرجان شعري يضم تجمعا من شعراء الوطن العربي . وبوصفي معلما كنت بحاجة إلى إجازة كي أسافر إلى هناك لمدة أسبوع كامل ، هي الفترة الزمنية المقررة للمهرجان. سألت عن النظام المتبع في مثل هذه الحالات قيل لي الإجراءات تطول ولن يسعفك الوقت للسفر. استعنت بوزارة الثقافة وأشار إلي أحد مسئوليها بتوجيه خطاب رسمي مع إرفاق خطاب الدعوة وسوف تتكفل الوزارة بمخاطبة وزارة التربية والتعليم في الإجازة . وهكذا جرى الاتفاق وسافرت . وبعد شهر من عودتي من المهرجان ، أفاجأ بخطاب من إدارة التعليم في الأحساء بإنذار لتغيبي عن العمل دون إذن مع حسم في الراتب خمسة أيام . علما بأني دخلت على مدير التعليم وأحطته علما بالدعوة، هذا إذا كانت مثل هذه الإحاطة محل تقدير واحترام أمام القوانين والأنظمة المتبعة.هذه تجربة من تجارب عديدة مر بها أشخاص كثيرون عانوا نفس الحالة ، لا يسع المجال لتوثيقها. لكن الشاهد في هذه التجربة الشخصية هو في السؤال التالي : كيف تتحول الإجراءات البيروقراطية إلى إيديولوجيا في مؤسساتنا ، ولماذا ؟ أولا الإجراءات والقوانين التي تدار من خلالها شؤون مؤسسات الدولة يحكمها بالتأكيد منطق عقلي تنظيمي ، وهو أيضا من مكتسبات العقل والتفكير الحديثين ، وهي إحدى المبادئ المهمة في التفكير العقلاني التي تؤسسه طبيعة الدولة. ثانيا طبيعة العمل الذي يقوم به هذا الفرد داخل تلك المؤسسات خاضع بالضرورة هو أيضا لهذا المنطق العقلي التنظيمي ، وبالتالي التوافق التام والانسجام الآلي بين الفرد العامل من جهة وبين الإجراءات والقوانين والأنظمة من جهة أخرى هو خلاصة المنطق العقلي. لكنه منطق وثيق الصلة بالغرب وبمؤسساته المختلفة الجوانب والتخصصات ، لذلك البراغماتية في التعامل الحياتي هي وليدة هذا المنطق ، وهي بمثابة البذرة التي تنزرع في حقل التربية الاجتماعية عند الغرب . ثالثا عربيا الوضع يختلف هناك فجوة وخلل بين المنطق العقلي التنظيمي في العمل وبين طبيعة العمل بوصفه قيمة تبخيسية في أغلب الأحيان في ذهن العمل العربي ، لأن المنطق العقلي التنظيمي الذي يحكمنا داخل العمل هو غيره خارج العمل. الحياة خارج المؤسسة تحكمها العقلانية بالقدر الذي تحكمها اللاعقلانية، الفوضى بالقدر الذي يحكمها التنظيم ، وهنا نوع من التناقض والمفارقة ، فالتربية التثقيفية للعمل والمهنة ليست من الأولويات في عاداتنا وتقاليدنا لا أقصد أدبيات موروثنا الإسلامي الذي يزخر بالكثير من المرويات في أخلاقيات العمل وطبيعة كسبه . لكن ما أقصده هو الممارسة العملية في التربية كأحد الروافد في تكوين شخصية الإنسان المهنية . ما ينسحب على المؤسسات العربية في معظمها ينسحب على مؤسساتنا المحلية أيضا . والنتيجة هو انحسار الأثر للمنطق العقلي التنظيمي على حياتنا خارج العمل ، بل العكس هو الصحيح ، لذلك كل إجراء تنظيمي تسعى أي مؤسسة إلى تطويره يبقى في إطاره البيروقراطي ما لم تكن حياتنا خارج العمل متطابقة تماما مع تلك الإجراءات التي تتخذ . والمثقف هو الحلقة الأضعف في هذه المفارقة التي تشده إلى الأسفل بدلا من أن تأخذه إلى الأعلى خارج أسوار المعوقات البيروقراطية المتهالكة.mohmed_z@hotmail.com