محمد الحرز

محمد الحرز

مصطلح الحداثة شيء, والشعر العربي المعاصر شيء آخر .. ولا يمكن إضافة الأول إلى الثاني بمعزل عن الشرط التاريخي والسياقات الثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية الذي نشأ من خلاله هذا المصطلح , وأدى به بالتالي إلى ما يشبه حجر الفلاسفة الذي ذاع صيته وكثر الحديث حول وجوده دون أن يتعرف عليه أحد . لذلك ينبغي في هذه الحالة أن يدور الكلام حول محورين اثنين لأنهما يشكلان المرجعية التاريخية الطبيعية التي تؤسس القاعدة التي تنهض عليها تلك السياقات . أول المحورين يرتكز على مفهوم الحداثة باعتباره مفهوما غربي المنشأ والتطور وكذلك الأثر الفاعل على الحضارة الحديثة .. أما الآخر فهو يوجد باعتباره مفهوما يجسد بصورة أو بأخرى وعي النخبة العربية المثقفة باعتباره وعيا يعكس عمق المأزق الذي وجد نفسه فيه أمام نفسه ومجتمعه وكذلك تراثه ، وأمام الحياة والواقع , وذلك إبان الانتكاسات والهزائم التي مني بها المجتمع العربي من جهة , والمد الفكري والفلسفي والأدبي والعسكري الذي جاء من الغرب من جهة أخرى .. وما بين هذين المحورين سوف نكتشف أن القصيدة العربية منذ مطالع القرن العشرين سوف تدخل في خط الصدمة الحضارية التي خلخلت جميع القيم والمفاهيم في الثقافة العربية الإسلامية منذ عصر النهضة وما تلاها من مشاريع تنويرية وتقدمية , لم يستطع الفكر ولا الأدب أن يتواصل معهما رغم الاجتهادات التي حاولت التأسيس لذلك .. ما يخص المحور الأول فينبغي أن نشير أولا إلى أن جوهر الحداثة الغربية هو نقد الأبدية من جهة , ونقد اللاهوت من جهة أخرى رغم عدم مشروعية الفصل بينهما إلا إجرائيا .. ولكن ما معنى ذلك ؟ معناه يكمن في كون أوروبا وجدت نفسها منذ أواخر القرن السادس عشر في نهضة حضارية شاملة طالت جميع ميادين الحياة المادية والروحية والفنية على السواء .. وقد توجت هذه النهضة بثلاث ثورات مؤثرة : الانجليزية , والفرنسية , والبلشفية .. ثم جرت بعدئذ محاولة من طرف الفكر الغربي للبحث عن مرجعية تاريخية يعيد من خلالها وصل حضارته بالماضي , وعليه فقد كانت نظرية الأصول اليونانية الإغريقية للحضارة الغربية قد تأسست وانتشرت وطغت على الدراسات الفكرية والفلسفية .. وإذا كانت هذه النظرية ظلت مهيمنة على الخطاب الغربي حتى خمسينات القرن المنصرم بسبب النظرة المركزية التي سيطرت على التفكير الأوروبي , فإن مصطلح الحداثة من جانب آخر ظل مرتبكا ومتناقضا لا يحيل إلى معنى محدد , حيث تضاربت آراء النقاد والمفكرين والباحثين حول الطبيعة الدلالية لهذا المصطلح , بعضهم حصره في أدب القرن العشرين , وبعضهم الآخر جعله رديفا للحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر , والبعض منهم ركبه عنوانا على الحضارة الغربية برمتها, وهناك من قال : بدأت الحداثة من حيث انتهت الحركة الرومانسية, وهكذا .. ولكن في دراسته القيمة حول الأدب الغربي سعى الشاعر اكتافيو باث للإمساك بعمق التحولات الفكرية والأدبية التي طالت التاريخ الأوروبي , ولم ينزلق إلى الحديث عن إشكاليات التسمية , وإنما استعاض بدلا عنها بمقولة الجوهر : نقد الأبدية واللاهوت المسيحي .. هذا السعي سيفضي بـ (باث) عن حق بالتعرف على المكونات الرئيسة التي غيرت ليس الأدب الأوروبي فقط , وإنما الأدب العالمي بطريقة أو بأخرى بما فيها الأدب العربي بطبيعة الحال . إن نزع القداسة عن الدين المسيحي ومن ثم تحويله إلى حدوده الدنيا , أثر بصورة أو بأخرى على الأدب الغربي حيث كان المعول النقدي الغربي يكسر الزمن المسيحي الدائري المغطى بالقداسة ليجد الإنسان الغربي نفسه أمام زمن حداثي خال من التقديس ومعرى أمام عقلانية محضة.. وبالتالي أصبح هذا الزمن الجديد بوطأته الثقيلة على الإنسان الغربي بالدرجة الأولى هو الحس المأساوي والتراجيدي الذي طبع نتاج الأدب الغربي سواء في الرواية والشعر والمسرح والفن والسينما .. هذا ما نجده في التربية العاطفية لفلوبير , البحث عن الزمن الضائع لبروست , رسومات براك , وشعر فرنسيس بونج , كامو في روايته الغريب ...إلخ .. لكن اللاهوت المسيحي من جهة أخرى انتقم لنفسه من الحضارة الغربية - كلمة انتقم هنا ينبغي أن تفهم مجازيا وليس حرفيا - وذلك عن طريق الشعر.. كيف تم ذلك ؟ في منتصف القرن التاسع عشر زمن بودلير ورامبو ومالارميه ولوتريامون الذين يسميهم الشاعر فرلين ( الشعراء المنحطين) .. هؤلاء الشعراء أسسوا نظرتهم إلى الشعر بوصفه الحياة السرية الصافية , أو بوصفه المجهول المطلق الذي ينبغي الكشف عنه خلف الحياة الظاهرية . لذلك دعوا للوصول إلى هذه الحالة إلى خلط الحواس وتشويشها واختلالها , وأن يصبح الشاعر رائيا .. ولا يمكن من خلال هذه الدعوة الشك مطلقا بمدى صلة هذه النظرة إلى الشعر بالحركات السرية الصوفية المسيحية اليهودية التي انتشرت في أوروبا قبل أن تُصفى جميعا من طرف المجمع الكنسي في روما باعتبارها حركات وثنية تعادي المسيح .. لذلك ما يمكن تسميته بالشعر الحديث أو الأدب الغربي ليس في عمقه سوى الانقلاب الروحي ضد ما خلفته الحضارة الغربية على مجتمعها من أزمات كبرى في الحياة . وهنا تكمن المفارقة الكبرى : الأدب الحديث هو في العمق منه ضد التسمية نفسها وتجاوز هذه التسمية إلى شيء آخر هو الرهان الذي يسعى إليه الأدب الحديث على اختلاف توجهاته .. إذن على خلفية هذا المحور سننتقل إلى المحور الثاني الذي يركز بدرجة كبيرة على المحطات التي كان فيها الشعر العربي في إطار التجديد .. إن هزيمة الجيوش العربية عام 48 لها انعكاساتها في وعي النخب العربية المثقفة سياسيا وثقافيا وأدبيا .. ولكن ما قبل هذا التاريخ ومنذ مطالع القرن العشرين كانت الدعوات إلى التجديد لم يكن أصحابها مأزومين بالثنائية الاستقطابية ( شرق - غرب).. وتداعياتها على تفكير النخبة العربية فقد كان أبرز مثقفي مصر يدعون إلى تجديد الشعر العربي في مسألة الاستهلال والبلاغة الصورية والتحرر حتى من القافية , نجد صدى ذلك في كتابات العقاد والمازني وطه حسين إلا أن هذه الدعوات ظلت حبيسة التنظير أكثر منها تحويلها إلى التطبيق , وقد أحال بعض النقاد هذه الحالة إلى سبب كون هؤلاء لم يكونوا على اتصال بحركات التجديد في أمريكا أو فرنسا وانجلترا كما هو الحال عند خليل مطران وزكي أبو شادي اللذين كانا أكثر جرأة في دعوتهما الصريحة في تجديد الشعر . لكن يتغافل هذا السبب عن مدى الصلة القوية بين الناقد الغربي ( وليم هازلت ) وبين العقاد الذي تأثر كثيرا بهازلت .. وكان هذا الأخير منخرطا في مسائل التجديد في الأدب الغربي , ولكن أعتقد أن هناك أسبابا أخرى دعت هؤلاء لأن يكونوا أكثر حذرا في إطلاق دعوات التجديد لسنا هنا بصدد تفصيلها .. أما الضفة الأخرى التي دعت صراحة بالتجديد تحت وطأة التأثير الغربي فهم شعراء المهجر، وكان أبرزهم على العموم أمين الريحاني , وجبران خليل جبران . فقد دعا الريحاني إلى نبذ التقاليد الشعرية في التراث والتوجه إلى مضامين شعرية أكثر إنسانية ومعاصرة , والتخلص كذلك من الوزن والقافية ، وهو أول من أطلق مصطلح ( الشعر المنثور) .. ولم تكن كتابات جبران سوى التطبيق العملي لمثل هذه الدعوات ( الأجنحة المتكسرة , العواصف , النبي ) ألم يقل ( لكم لغتكم ولي لغتي ) .. أما مرحلة ما بعد تاريخ 48 فهي مختلفة تماما سواء على مستوى تبني الأفكار أو انتشار التيارات الفكرية المتناقضة أو الحالة الاجتماعية العربية تحت نير الاستعمار ومحاربته .. هذا هو المشهد الذي يقوم على خلفية المشاريع التي سعت فعليا إلى تجديد الأدب العربي وعلى رأسه الشعر .. ولنا قراءة أخرى حول هذا الموضوع في مقالة أخرى. mohmed_z@hotmail.com