محمد الحرز
الوطن العربي باعتباره ذلك المجتمع الذي يحمل صفات التنوع في المعتقدات والتوجهات الثقافية المختلفة, فإنه بهذا الاعتبار يمثل للباحث فرصة سانحة للمراجعة والمساءلة في جميع الاتجاهات والصعد . وهذه خطوة أولى وصحيحة أيضا كي لا يظل حبيس النظرة الضيقة لنفسه كمجتمع متنوع من جهة , والارتياب والشك والخوف من نظرة الآخرين له من جهة أخرى . هذه الخطوة أشبه ما تكون بالضرورة التي لا يمكن الالتفاف حولها وتجاوزها باسم الحفاظ على اللحمة الاجتماعية والتماسك - ظاهريا- والوقوف صفا واحدا تجاه الأزمات والمحن التي يمكن أن تعصف به يمينا وشمالا , وان كان هذا احد أهم المطالب التي ينبغي الحفاظ على مكتسباتها ومن ثم تطويرها بما يتلاءم وينسجم مع ما يطرأ من تحولات اجتماعية وسياسية وديمغرافية تمسه من العمق . ولكن أليس من الوهم الحديث عن صيغ للنهوض الحضاري داخل الوطن العربي دون الأخذ بعين الاعتبار المساوئ التي تفرزها العلاقات التي تبنى على المصالح الضيقة لهذه الفئة من الناس أو تلك وانعكاسات ذلك على المصلحة الوطنية وتناميها بشكل عام ؟ وما أعنيه بمساوئ تلك العلاقات ليس في جانبها الإيديولوجي أو أدبياتها الموروثة , ولكن ما أعنيه بالتحديد هو طغيان هذه العلاقات وهيمنتها على بعض مؤسسات الدولة, وأثر هذه الهيمنة على الطبيعة الإيجابية للدولة في ذهن الفرد . هذه مشكلة قائمة, لم تعد مقولات الإصلاح والتحاور والدعوة للتسامح والانفتاح على الآخر التي يتم طرحها وتبنيها في هذه المرحلة من تاريخ الوطن العربي الحديث من طرف أغلب المثقفين فيه , لم تعد تعكس الواقع بقدر ما تعكس المقولات التي في الذهن , والتي هي بطبيعة الحال افتراضات مسبقة يجري تداولها مجرى الواقع والحقيقة. إن الضغوط السياسية الدولية التي مورست على الدول العربية في مجال الإصلاح السياسي ومجال حقوق الإنسان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تشكل الرافعة الحقيقة لانتشار تلك المقولات وتبنيها بين الطبقة السياسية والنخب المثقفة . هذه الرافعة التي يرى الغرب أن له الفضل في تحريكها ودعمها بما يخدم مصالح الشعوب العربية . هذا التزامن بين الحاجة الماسة للمساءلة وطرح القضايا الحساسة في المجتمع , وبين الضغوط الدولية التي مست المنطقة بأكملها. جعلت من مفهوم الإصلاح والدعوة إلى الحوار عند بعض النخب المثقفة مجرد تكتيك استراتيجي لا يلبي حاجات المصلحة الوطنية , ولا ينمي روح المواطنة الواعية عند الفرد . والدليل هو انحصار المناقشات والمساجلات التي دارت مؤخرا بين تيارات هذه النخب في مسائل يغلب عليها طابع المقولات النظرية من قبيل مفهوم الديمقراطية والدولة الحديثة , بينما لم يسع هذا النقد من تطوير أدواته النقدية باتجاه دراسة الأشكال المتعددة من العلاقات ذات الصلة بالواقع التاريخي الذي أدى إلى استفحال جمود تطور الدولة نحو الديمقراطية , ثم أدى لاحقا إلى انفجار ما في لحظة زمنية محددة كانت فيها العوامل الخارجية أكثر هيمنة وأكثر وضوحا وأقوى تأثيرا من فهم وتحليل العوامل الداخلية التي هي عبارة عن سياقات ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية متعددة ومتداخلة مع بعضها البعض, تعود في أغلبها إلى ما قبل الاستعمار وما بعده كذلك . لذلك لا يمكن دراسة الواقع التاريخي للمجتمع العربي بعزل عن تلك السياقات. أي أن النقد المتوجه إلى التركيز فقط على التخلف في السياق الثقافي مثلا يتغافل تماما عن أن هذا السياق هو نتيجة لسبب ما , وهذا السبب يكمن بالتحديد في تلك السياقات التي ذكرناها آنفا , بالطبع مع احترامي الشخصي لجهود الكثير من الباحثين الذين حاولوا الاقتراب من تشكيل وتوسيع مثل هذه الرؤيا في تحاليلهم للوضع القائم . ولكن هذا التوسع في الرؤيا النقدية التي تبنى قدر الإمكان على التصاق شديد بالواقع وتعقيداته التي يتحدى بها وعي الفرد منا , حتى لا نقول تطابقا تاما بالواقع , فنكون إيديولوجيين بالتالي, هو مطلب من شأنه أن يقلل من روح الاحتقان المصاحبة لنقد بعض القضايا الشائكة كنقد الدولة في حد ذاتها مثلا , وكذلك يفسح المجال لتوسيع المشاركة في النقد بحيث تعدد الرؤى والمرجعيات الفكرية والثقافية في قضية ما واحدة , يؤدي بالضرورة إلى غنى الخيارات والتصورات والحلول التي يقطف ثمارها المجتمع قبل الدولة . وكذلك من شأنه أن يستثمر التفكير وتنوعه لبناء الدولة الحديثة - مع تحفظي الشديد لمقولة التعارض الذي أوهمنا به الغرب بين نظام دولة الاستبداد الشرقي ونظام دولة القانون وحقوق المواطنة لأن هذا التحفظ لا ينبع من كوني لا أؤمن بهذا التعارض على مستوى النظرية على الأقل , ولكن لأن الواقع بالنسبة لي ليس معطى جاهزا , ولكنه مشروع لبناء المستقبل كما هي هوياتنا, لذلك ينبغي استثماره باتجاه المستقبل وليس باتجاه الماضي وهو استثمار لا يجعل من الهوية مجرد مسألة حياة أو موت في عقول الناس , وإنما بوصفها إحدى الخيارات المتاحة , ضمن تعدد الهويات عند الفرد , لبناء مؤسسات الدولة تربويا واقتصاديا وثقافيا . ولكن كيف يكون شكل هذا الاستثمار إذا افترضنا إمكانية تحقيق ذلك ؟ أولا ينبغي التأكيد على أن شرط الاستثمار باعتباره المحصلة التي تتصل بالممارسة النقدية المتحررة من كل عقدة وخوف عند وعي الفرد العادي وليس المثقف فقط , يتكىء على قناعة مهمة هي بمثابة المعيار الذي يمكن به أن نقيس درجة والوعي النقدي وانتشاره داخل المجتمع العربي . تقول هذه القناعة- أولا- ليست الأنظمة الاجتماعية من عادات وتقاليد موروثة هي في تعارض حتمي ودائم- كما تفترض ذلك بعض النظريات- مع بناء المؤسسات الحديثة ذات الصلة بالأنشطة الخيرية التي تربت عليها أغلب فئات المجتمع العربي. وهذه التربية توسع من أفق البناء ولا تلغيه , بل كان هذا التقليد التربوي في العهد العثماني يشكل السمة الأبرز وأيضا الفاعل في تماسك وانسجام المجتمعات التي عاشت تحت ظله رغم التمايز البنيوي فيما بينها . وأيضا من جهة أخرى يفتح المجال بشكل واسع في تقوية دور المؤسسة بوصفها نظاما تربويا وثقافيا واجتماعيا يدعم بقوة بناء الدولة وليس العكس . والوعي بهذا الدور وقوة فاعليته هو الذي يحدد مسار هذا المجتمع أو ذاك في النظام المؤسساتي للدولة. . ثانيا: بناء على هذه القناعة من جهة , وعلى قناعة أخرى من جهة ثانية, تقول بأن كل نظام من أنظمة مؤسسات الدولة لا يخلو من ترميز وتشفير باعتبارها مجموعة من التراكيب والصور التي تحمل قيمة ذهنية يمكن استثمارها إما في تطوير شكل العمل وبالتالي المؤسسة وإما في تكريس الأنظمة الاجتماعية التي تتماهى مع المؤسسة ذاتها . بالطبع هذا الاستثمار يعكس بصورة أو بأخرى طبيعة العلاقة والسلوك القائمة بين المؤسسة والمجتمع , وفي كلتا الحالتين ينبغي علينا أن ندرك أنه لا يوجد ثمة تعارض بين الاستثمارين شريطة ألا يفضي ذلك إلى هشاشة المؤسسة ليس بالمفهوم الخيري فقط و وإنما بمفهوم القانون الذي بإمكانه أن يساعد في تنظيم العلاقة بين المجتمع والفرد من جهة , والدولة وأجهزتها من جهة أخرى. لقد ظل التصور العام في شأن هذا الاستثمار يميل عند بعض المثقفين العرب إلى اعتبار الدولة الحديثة هي بناء نظام علماني يلغي بالضرورة بقية الأشكال من الأنظمة التي عرفتها الدولة تاريخيا . ولكن هل هذا الاعتبار مطلقا إذا ما حاولنا أن نعيد لمؤسساتنا الخيرية دورها الاعتباري والرمزي?.mohmed_z@hotmail.com