محمد الحرز
هناك بعض الأسئلة التي أثيرت حول كتابي الأخير "شعرية الكتابة والجسد" من جهة , وحول تجربتي الشعرية من جهة أخرى .. سأحاول في هذه المقالة أن أجيب عن بعضها بما يفتح المجال لثقافتنا المحلية - على الأقل من وجهة نظري - أن تعيد النظر إلى مكوناتها الثقافية وطريقة طرح أسئلتها الوجودية بما يلاءم واللحظة الراهنة.. أولها كان حول مفهوم الحس المشترك الذي تبنيته في الكتاب فيما يخص بالدرجة الأولى تجارب الشعراء في العقد التسعيني. هذا المفهوم عندي هو وثيق الصلة بجوهر التصور الإنساني للحياة والكون والطبيعة , وهو تصور متضمن في موقفنا من الشعر وفي أشكال كتابته , ويمكن تشبيهه هنا بالخيط الفاصل الرفيع بين الوعي الفلسفي والوعي الشعري, ولكن دون تمايز أو فصل بين وعي وآخر .. وكما نرى أن الكشف عن هذا التصور في التجارب الشعرية هو كشف عن الأحاسيس الأولية التي ارتبط فيها الشاعر بالحياة والعالم والطبيعة .. قد يكون هذا التصور يرتكز على رؤية غنوصية للشعر , ولكن أليس قدر الشاعر أن يوسع من مداركه وأحاسيسه الوجودية عبر هذا التصور أو الرؤية كخيار ضروري للتواصل بالمعنى الشامل للكلمة ؟ وبالتالي يكون إحساسه بالكون والطبيعة جزءا لا يتجزأ منها . إن هذا المفهوم في ظني ظل حبيس معوقات التصقت عند بعض التجارب بمفهوم التجريب الشكلي في الشعر , أي أن الشعر عندها يعادل قوة الصورة الشعرية وطرائق تعابيرها , وعند بعضها الآخر بتصورات إيديولوجية أبرزها تكمن في الموقف الوجودي من الشعر الذي ظل موقفا لا ينمو معرفيا بمعزل عن ضغوط المواقف الأخرى من سياسية واجتماعية وثقافية .. أي أن الموقف من الشعر لم يشكل فرعا معرفيا له أسئلته وسياقه الفكري والفلسفي داخل ثقافتنا كما في الثقافة الغربية , وإن كانت هناك ومضات عند فلاسفة التراث كابن سينا والفارابي وابن رشد , ولكن في مجمله لم يكن سياقا معرفيا مشدودا إلى نفسه .. وينبغي عليّ الحذر هنا من الأحكام القيمية التي تكون أداة مريحة عند الباحثين , لذلك على من يقرأ الكتاب أن ينتبه إلى أن التصورات المركزية التي تشغل بال الكتاب هي ذات طبيعة ثقافية فلسفية , والشعر وتجاربه المحلية تخضع بطبيعة الحال إلى هذه التصورات .. إذًا مقاربتنا لهذه التجارب في الكتاب وما نتج عنها من أحكام جميعها مشروطة بهذه التصورات , وإذا ما اختلفت هذه التصورات كمنطلق للبحث والتقصي أو التساؤل بالتأكيد سوف تكون النتائج والأحكام مختلفة ومتغيرة , لذلك كان البحث في طرح الأسئلة على التجارب وتأزيمها معرفيا هو ما كان يهمني في هذا الكتاب أكثر من الأحكام والنتائج التي لا يمكن أن تكون نهائية مهما ادعينا خلاف ذلك.. هناك تساؤل آخر يدور حول العلاقة بين الجسد والكتابة وماذا يعنيه غياب الجسد في النص الشعري المحلي؟ العلاقة هي ذات طبيعة مجازية فلسفية , وإذا كانت الفلسفة الغربية استطاعت أن تبني من هذه العلاقة تيارا فكريا استطاع أن يؤثر بصورة أو بأخرى على مجرى الأدب الغربي في النصف الأول من القرن العشرين ولا حاجة هنا لذكر التجارب الأدبية والتيارات التي ركزت في تلك الفترة على مفهوم الحرية وعلاقة ذلك بالجسد والكتابة .. فإن الأدب العربي بالمقابل لم يحظ بهذا المفهوم لأسباب ليس هنا المجال لذكرها .. انطلاقا من هذه الملاحظة حاولت أن اقترب من تجاربنا المحلية وإن كنت اعتقد أن هذه الملاحظة ينبغي أن تشمل الادب العربي برمته .. إذًا غياب الجسد هو في عمقه بالنسبة لي هو غياب الحرية .. ليست الحرية كما فهمناها التي تنتهك المقدس , أو تلك التي تختزل الجسد إلى مجرد جنس , وليست هي الحرية فقط في انتقاء الشكل الشعري الأكثر تحررا من القيود , وإنما أيضا تلك الحرية التي تؤسس موقفا ورؤية للجسد خارج إطار أي ثقافة تسلطية مفروضة بالقوة , مدام بوفاري في الرواية الغربية أكبر مثال , عيون إلزا لبول إيلوار كمثال آخر . والكتابة الإبداعية هي الرهان على هذا التأسيس .. أما استثمار الميثولوجي في تشكيل الرؤية الشعرية ضمن تعالقها مع اليومي والثقافي والتاريخي ، كيف يكون ؟ فأعتقد أن المثيولوجيا هي بالأساس طفولة الحياة , والشعر كذلك , وهما توأمان ومن نفس الفصيلة , ولا يمكن عزل أحدهما عن الآخر إذا ما أردنا أن نتحدث عن الشعر من وجهته التاريخية .. لذلك يصعب أحيانا الفكاك , ولكن ما نقصده هنا بالاستثمار المثيولوجي هو أولا أن يتخذ الشعر موقفا من تراثه الإسلامي كما فعل الشعر الغربي مع تراثه المسيحي , ولا داعي هنا للأمثلة .. ثانيا لا يعني ذلك فيما يعنيه اختزال الرؤية إلى الشعر في هذا الاستثمار , وإنما هو مجرد مقترح من مقترحات عديدة تقارب الرؤية الشعرية . هناك من يقترح أن يكون الشعر متخففا من كل الثقل التاريخي والثقافي وأن يظل متوجها إلى الحياة بتعبير أكثر بساطة وسهولة .. هناك من يرى أن الرؤية الشعرية هي تأمل وإجابات عن الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى , إلى آخره من المقترحات , ولكن هل يمكن تفضيل رؤية على أخرى ؟ بالتأكيد يظل هذا التفضيل نسبيا ولا يمكن تعميمه , وهو يدخل ضمن عناصر تشكل الذائقة عند الشخص .. وبالتالي الشيء الوحيد الذي يجمع هذه الرؤى جميعا هو أنها تتعامل مع الكلمات , وكل كلمة لها تاريخ , والروابط أو العلاقات التي يخلقها النص الشعري بين كلماته هي التي تحدد الرؤية الشعرية.. أما مصطلح ( ثقافة الصحراء ) للدكتور سعد البازعي الذي فهمه البعض من خلال تحليلي له في الكتاب بوصفه بعداً إيديولوجياًً يوظفه البازعي في قراءته للنصوص الشعرية والنثرية لجيل الثمانينات.. فأقول : لقد أعطى البازعي الأولوية للمصطلح بأن يأخذ أبعاده عنده من مؤثرات ثقافية لا تمت إلى التجارب التي درسها بصلة إلا الاشتراك في كلمة الصحراء .. إن ثقافة الصحراء ليست اكتشافا , هي طبيعة ما زالت تلازم ثقافة الجزيرة العربية , ولا أظن الشعر خارج السياق .. هذه إحدى المسلمات التي تقولها الأرض والبيئة والتاريخ , والبحث في المسلمات مغالطة كبرى .. والشعر يحن إلى الاختلاف والتمايز وهذا ما حاول الشعر في فترة الثمانينيات أن يقوله , لذلك أنا أذهب خلاف البازعي في البحث ليس في البحث عن ثقافة الصحراء من خلال هذه النصوص , وإنما في السؤال التالي : ما الذي يجعل بعض هذه التجارب لا تنتمي إلى الصحراء ؟ لذلك كان علي أن أعود إلى المفردة نفسها , وأتتبع سياقاتها داخل النصوص .. كثيرا ما يرد علي السؤال التالي : لماذا تمجد الألم في كتاباتك الإبداعية ؟ الألم لا يمثل سطوة تتمدد داخل كتابتي الإبداعية فقط , إنه كائن أسطوري إذا جاز التعبير , بحكم علاقتي بالحياة في أغلب جوانبها المتعددة , ويعيد وصلي بموروثي من منطلق تأسيسي.. أي أن تاريخ مفردة الألم في هذا الموروث غذّى عندي المخيلة , وخصّب الشعور الباطني بالأحاسيس المرتبكة والوجلة , وبالتالي لم تنشأ علاقتي بالعالم منذ الصغر إلا على هذا الأساس .. لكني في طور لاحقا من حياتي اكتشفت أن ما كنت أسميه طغيان الألم على موروثي لم يكن دقيقا , لقد تحولت التسميةُ عندي إلى شيء آخر , إلى فكرة ضبابية طالما حاولتُ أن استبين جذورها في بدايات تكويني الذهني والنفسي والتربوي , ناهيك عن موروثي العقائدي , وبعدئذ شيئا فشيئا رسخت هذه الفكرةُ في ذهني قناعة ما زلت أحتفظ بحرارة تأثيرها في يدي إلى الآن , هذه القناعة تقول : فكرة الألم ظاهرة كونية متأصلة في الطبيعة كما في الإنسان , ولكن كيف تتحول هذه الفكرة إلى أدب وفكر وثقافة من خلال اللغة ؟! هذا ما حاولت أن أكتشفه من خلال موروثي في علاقته بالموروث الإنساني ككل . لقد أحسست من خلال هذه المحاولة صعوبة التيقن من التعرف على المسافة الفاصلة بين فكرة الشيء وبين تسميته في اللغة , وعليه وجدتُ الألم مجرد تسمية لا يخلو من إحساس وجودي, حينما يتعلق بتاريخي الجسدي والعقائدي والمكاني , بينما وجدته ( الألم ) من منظور آخر صفة مخاتلة لا تطابق موصوفه ( موروثي العقائدي ) .