محمد الحرز
كيف تنشأ التقاليد الاجتماعية للمعرفة حينما يتعلق الأمر بتاريخ الكتابة ورديفتها القراءة ؟ للوهلة الأولى مجرد طرح مثل هذا السؤال يعكس على الأرجح قناعة متضمنة داخل السؤال نفسه . هذه القناعة تقول : ان الوعي الذي يتعلق بالكتابة هو نتاج طرق تلقي المعرفة واستقبالها وانتشارها وكذلك الإحساس الروحي بأهميتها في سبيل تكوين وحدة المجتمع . لا شك أن الدراسات التي تناولت تاريخ الشفهي والكتابي في التراث الإسلامي كانت في مجملها تنظر إلى عصر التدوين بوصفه نقطة التحول في الاهتمام بالكتابة حيث كان يتم التركيز على الترجمة باعتبارها الآلية التي ساعدت كثيرا على هذا التحول . وعلى الرغم من وجود باحثين لم يقبلوا بهذه الفرضية مثل جورج طرابيشي وعبد الله العروي وآخرين بسبب تأكيدهم على أن العوامل التي ارتبطت بهذا التحول لم تقتصر على فاعلية الترجمة , ومن ثم عصر التنوير , وإنما هو سياق تراكمي من العوامل الاجتماعية والثقافية والسياسية والتي تمتد إلى ما قبل ظهور الإسلام وحتى صدر الإسلام . رغم وجاهة هذا الرأي إلا أن ما يضفي على المسألة من وجهة نظرنا قيمة تحليلية كبرى هو وضع القناعة السابقة تحت التجريب والاختبار. يقول السيوطي في « الإتقان في علوم القرآن « الجزء الأول ( سمى الله كتابه اسما مخالفا لما سمى العرب كلامهم على الجملة والتفصيل , سمى جملته قرآنا كما سموا ديوانا وبعضه سورة كقصيدة , وبعضه آية كالبيت وآخرها فاصلة كقافية ) . هذه المخالفة في التسمية التي يوردها السيوطي لها دلالتها الهامة التي تعكس بصورة قاطعة تأسيس القرآن الكريم لتقاليد ثقافية خارج نطاق الثقافة الشفهية السائدة. « ولقد أدرك الجاحظ أن هذه الأسماء التي أطلقها القرآن على نفسه وعلى أجزائه مثل السورة والآية والفاصلة هي من قبيل الأسماء التي تؤكد مخالفة النص لغيره من النصوص في الثقافة «. والسؤال هنا إذا كانت هذه المخالفة التي أسس جذورها القرآن , وأدت إلى ما أدت إليه من انتشار التقاليد الكتابية في عصور لاحقة في التراث الإسلامي , فكيف نفسر إذن المرويات التي انتشرت عند المحدثين والفقهاء في القرن الأول والثاني الهجريين ,والتي تذم تقييد العلم والمعرفة بالكتابة ؟ الخطيب البغدادي يورد عن الرسول قوله « لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن , ومن كتب عني غير القرآن فليمحه «. وهناك الكثير من المرويات التي تشير إلى السياق نفسه . هذا النهي باستثناء القرآن له دلالة يتصل بمفهوم الكتابة نفسه , ولا يمكن الكشف عنها إلا من خلال التفريق بين الكتابة بوصفها تقييدا للألفاظ , والكتابة بوصفها القوة الخفية التي يعجز الإنسان الجاهلي في تفسير دلالاتها إلا من خلال السحر والجن والكهنة . المفهوم الأول لم يجر القطع معه خارج نطاق تدوين الوحي , بل تم الاعتراف بأهميته كونه يحفظ هوية الأمة ووحدتها ويسجل مآثرها خصوصا بعد الفتوحات الإسلامية التي امتزجت فيها الأعراق والشعوب داخل الحضارة الإسلامية نفسها. وكون الرسول عليه الصلاة والسلام أميا لا يعني الحط من قيمة الكتابة بوصفها تدوينا بقدر ما يعني بالدرجة الأولى ترسيخا لمبدأ شروط تلقي المعرفة الإلهية . يقول الغزالي في ( احياء علوم الدين ) « أما سبب إنه ( الرسول ) لم يعرف الكتابة والمكتوب , فلأجل أنه كان أميا لا يقرأ الكتاب الصناعي , وإنما يروم معرفة قراءة الخط الإلهي الذي هو أبين وأدل على الفهم منه « . ويعلق عبد الله إبراهيم على هذا القول في كتابه ( السردية العربية ) بقوله : ولهذا السبب فلا ضرورة لعلمه بالكتابة , فاتصاله بالخالق , يتم بالمكاشفة التي هي قدرته على إدراك ما لا تدركه الحواس , ولهذا فأمية الرسول فضيلة « لأنها- كما يقول القلقشندي في صبح الأعشى- من أقوى الحجج على تكذيب معانديه وحسم أسباب الشك فيه» . لذلك سرعان ما تحولت الكتابة التدوينية إلى تقليد بعدما استقر الإسلام واتسعت دائرته واحتاجت دولته إلى تنظيمات لا يمكن انتظامها بدون الكتابة , ولكن هل يكفي هذا التفسير حتى كي نبرر انتشار الكتابة كتقليد ؟ يقول الذهبي في كتابه ( تذكرة الحفاظ) :» قال إبراهيم بن سعد : قلت لأبي بم فاتكم الزهري ؟ قال : كان يأتي المجالس من صدورها ولا يأتيها من خلفها , ولا يبقي في المجلس شابا ولا كهلا إلا ساءله , ثم يأتي الدار من دور الأنصار فلا يبقي شابا ولا كهلا ولا عجوزا ولا كهلة إلا ساءلهم حتى يحاور ربات الحجال « . الزهري من أوائل المؤسسين للمدرسة التاريخية في السيرة والمغازي في المدينة , وقد اشتهر بعلمه أيام الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان. والرواية هنا تأتي في سياق تفضيل الزهري على أقرانه من طلاب العلم , والسبب يكمن حسب الرواية هو في طريقة تلقي المعرفة التي تميز بها الزهري. ولكن ألا يمكن اعتبار آلية التلقي والاستقبال للمعرفة هي تقليد ينهض به المجتمع وليس الفرد سوى حصيلة تأثيراته . وعلى هذا الأساس يمكن القول ان النصف الأول من القرن الثاني للهجرة في المدينة كان طلب العلم والمعرفة يرتكز على آلية المساءلة والحوار , وعلى الرغم أنهما آليتان شفهيتان إلا أنهما لم يتحولا إلى آليتين للتسييس والتحزب كما جرى لاحقا . وهذا ما أثر بصورة أو بأخرى على مواقف من كانت خلفياتهم العملية والمعرفية ترتكز على هاتين الآليتين . ولكن ما علاقة هذا بانتشار الكتابة ؟ عندما تكون « ربات الحجال « ضمن دائرة الحوار والمساءلة من أجل العلم فإن آلية الإسناد التي جاء بها علم الحديث وأثرت على بقية التصانيف المعرفية في التراث الإسلامي , تصبح خارج نطاق التأثير لأن صرامة الإسناد يتطلب رجالا ثقاة وتميزا في الحفظ والذاكرة ناهيك عن النساء , وهذا بدوره يؤدي إلى البحث عن طرق أخرى في تلقي المعرفة بعيدا عن هيمنة آلية الإسناد الشفهي , وليست الكتابة كتدوين سوى إحدى الحيل التي من خلالها يؤسس الشيخ أو الكهل أو الشابة أو الكهلة موقعه بفاعلية كبيرة في جغرافية الثقافة الموروثة , وهذه إحدى أهم العوامل التي ساعدت في انتشار الكتابة كتدوين رغم ما نجد من تناقضات ومفارقات في الأدبيات الموروثة . أما المفهوم الثاني للكتابة فهو يرتبط بالبعد الأسطوري للزمن عند الإنسان الجاهلي من جهة وبالمعتقد الديني وتصوراته المجازية في اللغة من جهة أخرى. لقد قطع القرآن صلته بهذا المفهوم وزلزل أركانه بشهادة الحديث الذي ذكرناه سابقا وأحاديث أخرى تأتي ضمن السياق نفسه . ويكفي أن نشير إلى بيت الشاعر تميم بن مقبل كي يتوضح هذا المفهوم , يقول : ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر .. تنبو الحوادث عنه وهو ملموم . أن الآثار والرقم المنقوشة على الأحجار التي يمر عليها الفرد الجاهلي في ترحاله في الصحراء ويراها في الكنائس وفي قصور الملوك , وهو في يقينه ومعتقده أن هذا الحجر يتحدى قسوة الزمن في الصحراء , إنه يرتفع إلى منزلة المقدس في ذهنية الجاهلي , وبالتالي ليست الآثار الكتابية سوى مظهر من مظاهر هذا التقديس . ولنا تفصيل أكثر في هذا المفهوم في مقال آخر.