مطلق العنزي

مطلق العنزي

ليس عيباً ولا رجماً في الغيب أن يكون للمرء موقف سياسي أو فكري مستقل، وليس عيباً أن يناصره أناس وينتقده آخرون.. مع أنه لا توجد معايير، لا بالسنتيمتر ولا بالكيلو، لحدود النقد. ولكننا نحن (أي أغلب الناس) في نقطة ما نفرق بين الصراحة والوقاحة.. وبين النقد والتجريح..ولأنه لا توجد لدينا حرية في السابق، ولأننا حديثو عهد بحرية نسبية الآن، فقد تعودنا أن الذي ليس معنا فهو ضدنا، وهو عدونا المبين، ونفسر كل تصرفاته وعباراته على أساس أنها تنوع زعاف من "السموم"..!!.والذي نعرفه في "التاريخ السياسي المعقول" أن الحملات السياسية تصمم ضد قرارات أو ضد تصرفات حدثت فعلاً..والمعروف أن نوعية من الأمريكيين هم "مخلوقات علاقات عامة" ينالون طموحاتهم المصلحية الشخصية بـ"الاستعراضات" السياسية..ومؤسسات العلاقات العامة أو تخطيطات هؤلاء المصلحيين تجلب لهم آخرين كنوع "كمبارس" توظف أصواتهم لترديد أصداء مواقف "البطل".. لتتويجه بطلاً..هذه الحملات الصاخبة، موجودة في أمريكا، لأن نظامها السياسي يسمح بجمعيات مصلحية هي مجموعات "الضغط".. وكثير من هذه المجموعات تطرح موضوعاتها بتشنج وبتجن يتعدى حدود اللباقة أو الأخلاقيات الإنسانية.. بل وتهدر الحقوق الإنسانية، وحق الأمريكيين في أن يكونوا مستقلين فكرياً عن هذه المجموعات..ويعج المجتمع الأمريكي بآلاف مجموعات الضغط، والمجموعات المصلحية، والجمعيات المختلفة المشارب والأهداف.. حتى مجموعات "الهبل"..وهذه المجموعات تستغل أي حادث أو تصرف لتصنع منه قضية، لكي تستعرض عضلاتها السياسية، لتجلب المزيد من الأتباع و"الممولين"..وليس في ذلك بأس ما دام أن هذه النشاطات لا توجه إلينا ولا تستخدم مواطنينا كـ"كومبارس"..ولكن "الموضة" الآن في الولايات المتحدة الأمريكية، هي استغلال أي موضوع عن المملكة والسعوديين وتصميم حملة سياسية ضدنا..الأمريكية عائشة شوارتز، (التي ترأس رابطة الكاتبات المسلمات) لم تبحث عن أي بطولات سوى على حساب ظهورنا، نهضت بحملة علاقات عامة سياسية، لتتوج بطلة على حسابنا وعلى حساب "الكمبارس السعودي" مع الأسف..وأول مرة، ربما في تاريخ العمل السياسي، تقوم حملة صاخبة وساخنة، تحمل الكثير من التشنج والصراخ، ليست ضد قرار بل ضد "اقتراح"..!!لا أعلم كيف تلقفت شوارتز معلومة عن "اقتراح" ما بأن يتم نقل موقع النساء في الحرم إلى مكان آخر..مع أن هذا مجرد اقتراح.. تقابله اقتراحات كثيرة مناقضة.. وربما يؤخذ به أو لا يؤخذ.. وهو اقتراح إداري بحت..ولكن شوارتز اختارته لكي تصمم حملتها البطولية ضده على حسابنا.وكان يمكن أن تختار ما تشاء من "الأزياء البطولية"وشاركت الدكتورة هتون الفاسي (أستاذة التاريخ القديم في جامعة الملك سعود) في الحملة كـ"كومبارس"..وحدث أن مؤسسة الحرمين الشريفين لم تأخذ بالاقتراح.. مثله مثل آلاف الاقتراحات التي ترد إلى هذه المؤسسة الخدمية وتدرسها ولا تطبقها..ولكن شوارتز جيرت كل هذا لصالحها وأن عدم أخذ المؤسسة بالاقتراح كان نتيجة لحملتها "البطولية".. واحتفلت بالنصر.. والكومبارس السعودي يردد أصداء النصر، ويشكر جهود شوارتز التي ستحصل بسبب هذا "النصر المبين" على مزيد من التمويل..بينما إذا كان الاقتراح غير مفيد وغير عملي، يتعين أن تشكر عليه المؤسسة، وليس "كائن علاقات" عامة مصلحي..وكانت حملة شوارتز أغرب "حملة سياسية" نتج عنها ضجة كبرى، ويبدو أن القائمين عليها كانوا يهدفون إلى تحقيق أكبر ما يمكن من الضجيج، وليس بضرورة أن يكون لها عمل وثمار..وتقول الدكتورة الفاسي انه توجد حملة أخرى لموضوع يتعلق بالمسجد النبوي الشريف.. ولا أعلم مدى صحة رأيها.. لأنني لا أعرف رأي الآخر، في الموضوع.. ولهذا السبب لا أستطيع إبداء الرأي. ولكن أن جلبت لنا شوارتز و"صخبها" وصحبها، فإننا يتعين ألا نخرج أبطال استعراضات على حسابنا..ولكن أياً كان الموضوع، وإذا كانت الأمريكية شوارتز والدكتورة الفاسي وبقية مركبات الحملة، مخلصتين لقضية المرأة المسلمة أو المرأة بشكل عام، فإن عليهما أن تصمما حملة لحماية المرأة الفلسطينية من الاضطهاد المخيف والحزن المروع اليوميين اللذين تنهض بهما إسرائيل.. أم أن عذابات المرأة الفلسطينية ولوعتها اليومية المزمنة لا ترقى إلى مستوى المناقشة..وأيهما أكثر إلحاحاً وأهمية للمرأة المسلمة، قضية اقتراح نقل موضع صلاة النساء من الصحن في الحرم المكي الشريف، أم قضية مئات الآلاف من النساء الفلسطينيات اللاتي يكابدن الدموع، وعشرات الآلاف اللاتي تتفطر أكبادهن يومياً على "أطفالهن القاصرين" الأسرى في السجون الإسرائيلية.؟.. خاصة أن أكثر ما يعاني في قضايا اضطهاد الأطفال هن الأمهات..لو أن الدكتورة الفاسي لديها ابن محتجز في سجن.. كيف هي حياتها؟.. بماذا سيكون تفكيرها اليومي..؟ هل ستجعل قضية صحن الحرم وحاجز النساء قضيتها الأولى أم أن صورة أبنها لا تفارقها في الصباح والمساء والمنامات..إذا كانت شوارتز والدكتورة الفاسي، مخلصتين لقضية المرأة حقيقة، يتعين أن يفكرا أولاً بقضايا المرأة الأكثر بؤساً.. وحزناً ودموعاً واضطهاداً..ولكن يبدو أن قضية بؤس المرأة الفلسطينية وأحزانها، لا تحقق "استعراضاً" بطولياً للسيدة شوارتز ولا للدكتورة الفاسي و"كائنات" العلاقات العامة الأخرى.. هذا إن لم تجلب سخط المتنفذين وغضب مجموعات الضغط السياسية الأخرى..ثم أن مناجزة السعودية والسعوديين وكيل التهم لـ"مطاوعتها" أسهل و"أحل" من نقد إسرائيل أو التعرض لحاخاماتها بأي سوء..ـــmalanzi@alyaum.comٍ