محمد الحرز
يتساءل المؤرخ الأمريكي ريتشارد بوليت هل كانت المجتمعات الإسلامية منغلقة حقا تجاه الأفكار الجديدة ؟ وذلك في فترة ما اصطلح على تسميته بعصور الانحطاط . والجواب عنده لم يقتصر على النفي , بل ذهب إلى أبعد من ذلك . فالمجتمعات الإسلامية حسب ما يصرح به استوعبت مختلف الشعوب في آسيا وأفريقيا وتعلمت منهم عاداتهم الثقافية واكتسبت لغاتهم وآدابها , وأظهرت القدرة على التعايش معهم, والاحترام المتبادل القائم على حرية المعتقد والممارسة . لكنه في سياق المقارنة مع الأوروبيين يقول العكس . فالأوروبيون حسب ما يقول « قاموا بحماس بتجميع النباتات والحيوانات والمصنوعات من أماكن غريبة واستخدموا بعضها بصورة جيدة جدا . إلا أنهم لم يكونوا بمثل انفتاح المسلمين في تعلم لغات غريبة وهضم العادات المحلية واحترام القيم الاجتماعية التقليدية . فالأفكار الجديدة التي انفتح الأوروبيون تجاهها كانت أفكارهم هم وليست أفكار شعوب الإمبراطوريات التي حكموها . لذلك لم يستطيعوا أن يقدموا نموذجا يحاكي الحج السنوي الذي يذهب فيه المسلمون إلى مكة في حالات من المساواة العرقية والروحية . وحسب رأيه فإن المفارقة التي عكست مثل هذه النتيجة تكمن في الطريقة التي تم فيها انتشار المسيحية والإسلام . فحينما كان ملوك أوروبا يستخدمون القوة العسكرية في دعم انتشار الديانة المسيحية وتنصير العالم , كان الإسلام ينتشر عن طريق التجار المسلمين والعلماء الصوفيين والجغرافيين الرحالة . فالأولى أهدافها فشلت رغم القوة , والثانية بالمقارنة نجحت رغم الضعف والتفكك . هذه النتيجة تقودنا إلى السؤال التالي : لماذا لم تشكل القوة السياسية والعسكرية أثرا فاعلا في تحقيق أهداف التنصير بينما العكس في الإسلام هو الصحيح ؟ لقد ذهب الكثير من المؤرخين العرب إلى الاعتقاد أن الحضارة الإسلامية لم تزخر بالعلم والمعرفة إلا عندما كانت الوحدة السياسية والسلطة موحدة في شخص الخليفة , أو بمعنى آخر الاستقرار السياسي هو الشرط الفاعل في تحقيق هذا الزخم المعرفي المتنوع . ولكن هناك من رأى خلاف ذلك , منهم المؤرخ وجيه كوثراني الذي يرى « أن هذا الغنى الثقافي كله لم يترافق أو يتأسس على ما اعتقده البعض شرطا لهذا الغنى , ألا وهو الوحدة السياسية أو وحدة السلطة في العالم الإسلامي . إن النزاعات السياسية بدأت مبكرة في تاريخ الإسلام , ثم ما لبثت الخلافة الواحدة أن انقسمت , وما لبثت عصبيات الأسر أن أسست لإمارات وولايات أطراف . لكن كل هذا لم يؤثر على الحياة العلمية والثقافية سلبا , بل إن البعض يرى في المنافسات السياسية إمدادا للحياة الثقافية بدينامية المنافسة والتشجيع والاجتذاب : اجتذاب الفلاسفة والأدباء والعلماء والفنانين. « ويضيف على ذلك من جانب آخر أن انقسام العالم الإسلامي إلى سلطات وإمارات وفقا للإثنيات أو الأمصار أو حتى العصبيات والمذاهب لم يؤثر على وحدة السوق الإسلامي الكبير ووحدة الثقافة فيه . فاللغة العربية وقد أضحت لغة عالمية آنذاك , لغة للتجارة والعلم , خلقت روابط بين شعوب امتدت جغرافيتها البشرية من الهند حتى اسبانيا , قبل دخول بعضها في الإسلام أو حتى من دون دخول بعضها الآخر فيه . ثمة سوق اقتصادي واحد ما بين الدوائر الحضارية المتنوعة التي ولفت ما بينها سيادة الإسلام , ونظرا لوقوعه بين فضائين اقتصاديين كبيرين , المحيط الهندي والبحر المتوسط , أمّن هذا السوق جريان شتى السلع المعروفة آنذاك , إلى جانب جريان الأفكار . ولعل هذا الجريان الذي استمر هو الذي أمن شروط الغنى الثقافي والعلمي في عالم الإسلام وليس الوحدة السياسية المتمثلة بوحدة خلافة أو دولة إسلامية واحدة . بالتأكيد أن هذا النوع من التحليل التاريخي المرتكز على النظرية الماركسية الحديثة تعيد الاعتبار للوعي التاريخي لحضارتنا الإسلامية انطلاقا من فكرة واضحة ألا وهي أن عملية الانقطاع والاتصال بين الشعوب في المجال الحضاري التاريخي لا تتشكل من خلال قوة السلاح , ولا كذلك أيضا من خلال المعرفة أو الأفكار الإيديولوجية المسبقة عن الشعوب نفسها , ولكنها هي سيرورة طبيعية تدخل في تركيبة العلاقات الإنسانية في العالم أجمع . لذلك لا يمكن إغفال الحاجة الملحة التي يظهرها الإنسان للاتصال والتواصل كأحد أهم العوامل في صناعة التاريخ . وليس مصطلح العولمة الذي أعيدت أدلجته بما يخدم مصالح القوى العظمى سوى واحدة من الآليات التي ابتكرتها الشعوب عبر تاريخها كي تحقق حاجتها الفطرية للاتصال والمعرفة . أما ما يخص المجال المسيحي فهناك ثلاثة جوانب مهمة كما يشير إلى ذلك جورج قرم في كتابه الهام « تعدد الاديان وأنظمة الحكم « اعتمدتها العقيدة المسيحية في تشكيل فكرها السياسي هي : حس الوحدة , والحاجة إلى نشر الرسالة والتبشير وضرورات الدفاع عن العقيدة . خصوصا بعد تبني الإمبراطورية الرومانية العقيدة المسيحية ومحاولة فرضها رسميا على بقية طوائف المجتمع الروماني . كان لهذا الأثر امتداده عند شعوب أوروبا الغربية في القرون الوسطى . الأمر الذي أدى إلى انخفاض التنوع العقائدي الوثني إلى درجة انحساره لصالح انتشار العقيدة المسيحية دون أن يشكل ذلك نجاحا خارج حدود أوروبا- عدا مستعمراتها- خصوصا على الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط. لقد تميز التحدي الذي واجه المسيحيين اللاتين بالقضاء على أنظمة المعتقدات الوثنية , وهي عملية اقتضت تدمير المعابد والأوثان , وقطع كل التماثيل والأشجار التي كانت مقدسة , ومنع النشاطات التي كان يقوم بها الكهنة , وحظر العادات السائدة بينهم . هذا بينما كما يقول أغلب المؤرخين عمد المسلمون إلى إقناع أتباع الديانات الموحدة المنافسة لهم بالتخلي عن عادات أجدادهم والانضمام إلى المجتمع المسلم , وذلك من دون أن يكونوا غير متسامحين معهم . كانت النتيجة على المدى البعيد سيادة التجانس من الناحية الدينية في أوروبا أكثر من الشرق الأوسط . لقد قضى المسيحيون عمليا على الديانات الأخرى . ولكن ترافق مع تلك العملية اعتياد المسيحيين الأوروبيين على استخدام وسائل عدم التسامح الديني : إقصاء , طرد , اضطهاد , حرمان كنسي , واتهام بالهرطقة .إن خلاصة ما نريد قوله من خلال هذه المقارنة التاريخية لا تصب في الاحتماء بالتاريخ الإسلامي والانزواء فيه ضد ما تعانيه المجتمعات الإسلامية في الوقت الراهن من هجمة شرسة باسم الإرهاب الفاشستي الإسلامي من الغرب السياسي , ليس هذا ما نعنيه فقط , وإنما يصب كذلك في مسار القضاء على الصورة النمطية التي يروج لها الخطاب السياسي الأوروبي عن شعوب الشرق الأوسط بما يتوافق وتحقيق مصالحه الكبرى في المنطقة . وربما كان خطاب الرئيس الأمريكي بوش بمناسبة ذكرى الحادي عشر من سبتمبر أكبر دلالة على هذا الترسيخ للصورة عن الإسلام . وإذا كان هناك من يؤكد من ناحيته خصوصا المراقبين والباحثين الغربيين عن نأيه لهذا الرأي أو ذاك من أقوال اليمينيين والمحافظين الجدد , فإن هذا التوكيد لا يسعفنا نحن العرب طالما ظل الوعي بتاريخنا الإسلامي محصورا بين كماشتين : بين الوعي الإيديولوجي بتاريخه السياسي , والوعي الأيدلوجي بتاريخه العقدي , حيث ما بينهما يظل الفرد العربي واقفا في متاهة صحرائه , لا يعرف أين يقف بالضبط من تاريخه وحاضره ومستقبله.mohmed-z@hotmail.com