محمد الحرز
ليس من السهولة بمكان النظر إلى الملف النووي الإيراني على أنه مجرد حالة صراع سياسي بين أمريكا وإيران ,يهدف بالأساس إلى الاستيلاء على المنطقة وتثبيت نفوذهما فيه بدرجة أكبر وأعظم من ذي قبل . ينبغي الفرز والنظر بمنظار أشمل إلى هذه الإشكالية التي تتجاوز ظرفيتها إلى ما هو أعمق وذلك فيما يخص العلاقات الدولية التي تشكلت خصوصا فيما يسميه الغرب ما بعد الحادي عشر من سبتمبر . إن المعادلة الصعبة التي لا يتقبلها الغرب على الإطلاق لا تكمن في مجال العلاقات السياسية بين الدول لا سيما ونحن ندرك تماما أن الدول الغربية تبني علاقاتها السياسية على أولوية المصلحة وفق منظور براغماتي بحت هو وليد موروث فكري سياسي في التاريخ الأوروبي , وإنما تكمن في تعاظم تأثير اللاهوت السياسي الذي حكم هذه العلاقات منذ ترويج الإدارة الأمريكية لها وتبنيها بالمطلق . وبالتالي تصبح الثقافة ذات المرجع الديني والعقائدي هي التي تتحكم في القرارات السياسية , وبالتالي في إدارة الصراع السياسي الدولي. وليس في هذا الكلام إغفال لعوامل أخرى أكثر صعوبة وتعقيدا مما نظن , ولكن حسب بعض النظريات النقدية الحديثة تكون هناك عوامل وفي ظروف آنية معينة أكثر بروزا وتغلغلا وتأثيرا من غيرها . فوجود قوة نووية في المنطقة عند دولة ذات توجه عقائدي ثيوقراطي كإيران هو أمر لا يمكن استيعابه لدى الغرب لا على المستوى الفكري ولا على المستوى السياسي . وسوف أبدأ بالأسباب السياسية التي لا يمكن أن تخفى على أحد لأن اللعبة السياسية الدولية لم تعد تعتمد على سياسة توازن القوى والاحتواء المزدوج , ولكن تعتمد على سياسة فرض الأمر الواقع الذي هو وليد الهيمنة الأمريكية على الشرعية الدولية , وعلى كل قرار دولي يتعارض ومصالحها القومية العليا , رغم الشرخ الذي أصاب أهداف هذه الهيمنة بسبب الدعم اللامحدود الذي تعطيه لإسرائيل على حساب هذه المصالح في أغلب الأحيان. هذه السياسة الجديدة التي أرست دعائمها الإدارة الأمريكية الحالية عطلت الدبلوماسية بوصفها المجال الأكثر عقلانية الذي تدعيه أوروبا في حل مشاكل العالم , وأبدلته بالقوة العسكرية والذي لا تحتاج إلى تبريرها سوى منطق بسيط وسطحي من قبيل الثنائيات الفكرية الموروثة منذ القدم ( خير وشر , ظلمة ونور , متحضر ومتخلف ) إلى غيرها من تلك الثنائيات , والتي يستخدمها الفكر السياسي الغربي على العموم لا لكي يقنع العالم بسياسته ويجادلهم حولها ويتقبل الآراء الفكرية النقدية ضد سياسته تلك , وإنما لكي يطمئن نفسه بالدرجة الأولى على أن سياسته هي المنقذ والمخلص ضد ظلامية الجهل الذي يمثله الآخر أي كان هذا الآخر . وبالتالي هو لا يصغي , ولا يتقبل من هذا المنطلق أي حوار يعزز الثقة ما دامت القوة بيده لا بيد غيره . هو فقط يريد أن يملي شروطه وسياساته حسب هذا المنطق فقط . من هذه الزاوية يمكن قراءة الملف النووي الإيراني سياسيا بين غرب ( أمريكا بالدرجة الأولى ) يريد أن يجرب قوته , ويختبر صلاحيتها تحت ذريعة حماية المصالح الكبرى في المنطقة , وبين شرق ( إيران ) يريد إن يصبح قوة إقليمية بأي ثمن كان, قوة لا تخضع للنفوذ الغربي , ولا لشروطه السياسية الاستعمارية . ربما هذه المواجهة التي يتفرج عليها المجتمع الدولي هي عبثية بامتياز كعبثية سيزيف مع صخرته . الظروف الدولية تشير إلى ذلك بالتأكيد .يقول غسان سلامة في كتابه « أميركا والعالم « : « إن الإدارة الأمريكية التي ستعترف بأنها فبركت الملف النووي العراقي بناء لمعلومات ضعيفة , إن لم تكن مختلفة بالكامل , ستجد صعوبة خاصة ابتداء من صيف 2002 في إقناع العالم بضرورة وضع حد للبرنامج النووي الإيراني إلى درجة أن حلفاءها الأوروبيين ( بما فيهم بريطانيا هذه المرة ) سيفضلون التعاطي السياسي مع الأمر , وأن الصين وروسيا ستعارضان وبحزم متزايد استخدام الفصل السابع المادة السابعة من شرعة الأمم المتحدة ضد طهران . مع الاستقرار الدائم لقوات أميركية في أفغانستان والعراق ووجود بحري كثيف في إمارات ومياه الخليج وقواعد عسكرية في آسيا الوسطى دون ذكر التسهيلات في أذربيجان وجورجيا وباكستان أصبحت إيران مطوقة من أميركا التي لم تزل إضافة إلى ذلك تفرض عقوبات اقتصادية وتهددها بنقل ملفها النووي إلى مجلس الأمن , وتدعو مواطنيها إلى الثورة على نظامهم , ولا تستبعد تدخلا عسكريا أميركيا أو إسرائيليا ضد منشآتها النووية . وزيادة على ذلك تقوم واشنطن بملاحقة سوريا حليفة إيران بضغوطها وتتهم حزب الله اللبناني بأنه لعبة في أيدي حكام طهران . إن هذا التطويق شبه الكامل يضعف إيران بالتأكيد , ولكن الولايات المتحدة بسبب الصعوبات التي تعترضها في العراق وأيضا بسبب الكلفة الباهظة لمغامرة قد تقوم بها في إيران تبدو في حالة عجز لا تقل عن عدوتها . والإشكال الأمريكي حقيقي : إن مهاجمة إيران هي فرضية يصعب تصورها , ودفعها إلى الخضوع هو أمر صعب التحقيق . وباستثناء تسريع قد يعمد إليه هذا الجانب أو ذاك تبدو الأزمة مفتوحة : طهران ليست مستعدة للتخلي عن طموحها إلى أن تكون قوة إقليمية وواشنطن لا تبدو في وضع الرضوخ لظهور قاعدة معادية لمشاريعها في الشرق الأوسط الكبير . ورغم ذلك ترتفع في أميركا باسم واقعية معينة أصوات تدعو بالتحديد إلى ذلك الرضوخ , وهذا ما لا يمكن أن تقبله إدارة بوش دون أن تعيد النظر بمشاريعها الكبرى لعدم انتشار السلاح النووي أو الحرب على الإرهاب أو نشر الديمقراطية , أي بتعبير أشد وضوحا دون تهديد مشروع هيمنتها على هذا الجزء البالغ الأهمية من العالم .أما على المستوى الفكري هناك أسباب يمكن أن تكون موضوعية في عدم استيعاب الغرب وجود سلاح نووي في يد دولة تقوم عقيدتها السياسية على السلطة المطلقة لولاية الفقيه , وهو أمر أشبه ما يكون في الذاكرة الأوروبية بسلطة الكنيسة الكاثوليكية التي هيمنت على القرار السياسي في مجتمع القرون الوسطى الذي أدى ما أدى إليه من حروب طاحنة خاضتها أوروبا برمتها . مجرد استرجاع الذاكرة هو شعور بالخوف يسبب رضة نفسية عند الغرب , وبالتالي يشكل حاجزا حقيقيا في فهم وإدراك شكل العلاقات الأنسب مع الشعوب الأخرى غير الغربية .ولكن ألا يجدر بنا هنا أن نذكر الغرب بأن عقيدته السياسية في بناء الدولة وثيقة الصلة بالعهد القديم , يكفي أن نرجع إلى أدبيات الثورة الفرنسية وفلسفة القرن التاسع عشر الألمانية , وما قبلهما الثورة الانجليزية حتى يتبين ذلك بوضوح . « وحسبنا أن نقرأ هوبز الذي كان تأثيره حاسما في نشوء التصورات الحديثة للدولة , لندرك المرجعية المركزية التي كان يمثلها النموذج التوراتي للعهد في تكوين شعب- امة , وفي نشوء العقد الاجتماعي الأثير للغاية عند روسو وهكذا فقد خصص هوبز الباب الثالث من كتابه» في المواطن» لمسألة الدين . وقد استخلص فيه هوبز شرعية القانون الطبيعي من عهد الله مع النبي إبراهيم , ثم مع اسحق ويعقوب وموسى « . هذا بالإضافة الكبرى في هذا المجال التي دعمتها النظريات المعرفية في علم الاجتماع والفلسفة من ماكس فيبر ودوركهايم وهيغل وماركس والقائمة تطول في هذا المجال .ولكن لا يعني كلامنا هنا إضفاء المشروعية على نظرية ولاية الفقيه كأساس نظري للدولة في المجال الإسلامي , إنما أردنا أن نبين خطل حاجز الخوف شديد التناقض الذي يحكم وجهة النظر الغربية تجاه كل ما هو شرقي ثقافيا وسياسيا. ولقد كان الفكر النقدي الغربي المعاصر هو الذي أسس لخطاب يكشف حالة التناقض التي وقعت فيها الثقافة الأوروبية ونحن بالتأكيد مدينون لهذا الخطاب . والسؤال في النهاية الذي يطرح نفسه هنا : ما دور العرب في الخروج من تجاذبات المواجهة العبثية بين إيران وأمريكا ؟ علما بأن آلية التجاذب عند الطرفين تكمن في قوة الفكر وقوة الدولة.