محمد الحرز
التدجين حسب المعاجم اللغوية هو الخضوع والامتثال لإرادة الغير , وقد انطبق هذا المصطلح تاريخيا كما يقول هادي العلوي في معجمه على « الأندلسيين الذين خضعوا لحكم الأسبان وأجبروهم على تغيير دينهم ولغتهم « . ووروده في السؤال أعلاه له ما يبرره , ويعطيه المشروعية والصلاحية في التعبير والتحليل . لأن الأزمة في الوطن العربي تفاقمت وتحولت إلى اللاأزمة , وأصبح كل شيء ينظر إليه على أنه لا شيء وبالتالي لا يستحق التفكير أو التأمل والمعاينة . مثل هذه الحالة تنطبق على جميع المجالات في الحياة العربية الثقافية والمعرفية منها وكذلك السياسية والاقتصادية والاجتماعية . ولا يخفى على أحد مقدار هذا الشرخ الذي ضرب بعيدا بمعاوله في التاريخ الحديث للعرب . لذلك يصعب على المحلل والباحث أن يجد المصطلحات والمفاهيم التي تساعده كثيرا في فهم ومقاربة ما يمر به العرب من أزمات متلاحقة وانتكاسات ترجه رجا من العمق , لا سيما في شح الدراسات الفكرية النقدية التي تتناول تاريخ المجتمع العربي بوصفه تاريخا يشتمل على أنظمة متعددة من القيم الثقافية بعضها متجانس وبعضها الآخر متناقض حد التنافر . ولا يمكن القفز على إشكالية كهذه , لأن غياب الرؤية الشمولية للتاريخ يفضي على الأرجح إلى نتائج وأحكام لا تنتمي إلى حركية الواقع والحياة بقدر انتمائها إلى الذهن في رؤيته الإيديولوجية , وهذا ما حصدناه في عقود من السنين الماضية التي أعقبت حركات التحرر من براثن الاستعمار الغربي. هذا الحصاد كشف القناع عن الحقيقة المرة التي لا زلنا نتخبط في دهاليزها المظلمة ألا وهي الفشل الذريع في بناء دولة ديمقراطية قوية ذات مؤسسات فاعلة ثقافيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا. لقد جرت العادة عند غالبية الساسة والمثقفين على اعتبار أن هذه الحقيقة من البديهيات التي لا يخلو منها كتاب أو دراسة عند هذا المثقف أو ذاك . ولكن أليس من المفارقة الصارخة عندما نراكم الدراسات حول هذه المشكلة البديهية ثم نزيد في بديهيتها لا نجد أنفسنا في الواقع المعيشي سوى أكثر تخلفا وجهلا ورسوخا في التأخر , وكأن هناك علاقة عكسية بين ما ننتجه من معرفة حول أزماتنا الحالية وبين واقعنا اليومي الذي نحياه في علاقته بالعالم . أين يكمن الخلل ؟ هل في الذهنية الثقافية أم السياسية ؟ البعض يحيلها إلى خطاب الآخر الغربي حول المجتمعات الإسلامية خصوصا الاستشراقي منه والانثروبولوجي بمختلف أنواعهما المعرفية . ولكن لسنا هنا في صدد البحث حول هذه المسألة , لقد أشبعناها تحليلا في بعض المقالات السابقة . ما نريد التركيز عليه هنا هو حالة التواطؤ الضمني بين المثقف والسياسي في تحويل أزمة الدولة إلى إحدى البديهيات في الفكر السياسي العربي . وهو نوع من التدجين الذي لا يخضع إلى الغير بقدر ما يخضع إلى مفهوم هذا التواطؤ القائم في جزء منه على تقاطع المصالح والمنفعة المشتركة , والذي من أهم وظائفه تأبيد الأزمة وترسيخها في الأذهان باعتبارها قدرا لا يمكن الفكاك منه على الإطلاق . بالطبع نحن يمكننا أن نصادف أطروحات عديدة تنحو هذا المنحى في التفكير تحت عنوان أزمة الديني والسياسي أو الزمني والروحي في التاريخ الإسلامي . ولكن مشكلة الدولة الحديثة لم تبرز في الفكر السياسي العربي إلا في مطالع عصر النهضة والإصلاح في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين . وبالتالي لا يمكن اعتبار هذا التواطؤ هو امتداد طبيعي ومحصلة لما كانت عليه العلاقة بين السياسي والمثقف ضمن حدود إدارة الخلافة الإسلامية . ولكن يمكن اعتباره من ترسبات الصدمة الأولى في الوعي العربي التي تمثلت بحقيقة قوة الغرب وصعوده من خلال مؤسسات وأجهزة دولته الحديثة من جهة , ومن جهة أخرى بحقيقة انحطاط المسلمين لفقدانهم هذه الميزة , ميزة الدولة القوية من جهة أخرى . والغريب هنا هو كثرة من تصدى لهذه المسألة من علماء ومصلحين ومربين وسياسيين ومثقفين ليبراليين غير أن بوادر التأسيس لوعي بالديمقراطية ظلت حبيسة الدراسات والتأملات , ولم تخرج إلى واقع الحياة العربية . فإذا ما تجاوزنا مفهوم هذا التواطؤ كأهم الأسباب , فهناك أسباب أخرى تندرج ضمن الأسباب المعرفية وذات صلة بالتنظيمات الإصلاحية التي أدى تطبيقها في بلدان المشرق العربي إلى نتائج سلبية بسبب اختلاف المنشأ والأصل عن التطبيق . فهذه التنظيمات لم تكن سوى نتيجة تشريعات غربية ومجرد استنساخها « سينشأ عن ذلك أن المفاهيم المتعلقة بالدولة ستكتسب مدلولا مختلفا عما كانت عليه في مجالها الأصلي . وربما عدم إدراك حقيقي لما وراء نشأة وتطور الدولة في أوروبا من تاريخ اجتماعي وكذا عدم استيعاب لنظريتها , لا الوقوف كما فعل دعاة الإصلاح السياسي في البلاد الإسلامية عند أفكار مبتورة مثل « الحرية والعدل والقانون « سببا من الأسباب الأساسية لضعف فكرهم السياسي ضعفا تتجلى بعض نتائجه في كون هذا الفكر ظل في واد , والحركة الاجتماعية في واد آخر « . لذلك الفراغ السياسي الذي يخلفه ضعف الدولة هو حجر الأساس التي تنهض عليه جميع الأزمات التي يمر بها العرب في العصر الحديث , لأن ملء هذا الفراغ يتطلب شرعية دستورية قوية, وساسة البلدان العربية لا يجدونها إلا ضمن تحالفات خارجية وليست داخلية لهشاشة الوضع الداخلي وترديه والخوف منه في أغلب الأحيان . أليست مصر وسوريا والأردن والعراق ولبنان واقعة تحت سلطة هذه التحالفات منذ اتفاقيات كامب ديفيد ومؤتمر السلام في مدريد,واتفاقيات أوسلو إلى آخره من الاتفاقيات السرية كما يسميها هيكل, رغم التباين في تطبيق ما يسمونه الدستورية الشرعية ضمن مؤسسات الدولة . هذه الهشاشة للدولة العربية جعل مفكرا عربيا وهو علي أومليل يتساءل مستغربا « ما طبيعة هذه الدولة ؟ وكيف لم يكن من الممكن موضوعيا أن تبنى على أسس ديمقراطية ؟ « ويجيب « إن الدولة في البلدان العربية تشترك مع غيرها من الدول الواقعة على هامش مراكز الإنتاج والمعرفة والتقرير العالمية في أنها تعتمد في استمرار علاقاتها المختلة مع هذه المراكز أكثر مما ترتكز على مجتمعها . وهذه الدولة مطالبة مع ذلك بتجهيز البلاد وتوفير الخدمات والمصالح العمومية . كيف يمكن ذلك مع ضعف أو انعدام تنمية مبنية على تنظيم وتطوير الإنتاج والتحكم في فائض القيمة الذي يصب أغلبه في الخارج ؟ من هنا لا تستطيع مثل هذه الدولة أن تفي بوعودها لمواطنيها , وأن توفر الخدمات وتتكفل بالحاجات المتزايدة بتزايد السكان الذي هو ظاهرة العالم العربي . وهكذا يشتد ضغط المجتمع بمشاكله المتفاقمة على الدولة فتقاومه بقمع متزايد , وباعتماد أكثر على الخارج في طلب المساعدة والحماية . وهذه الوضعية هي من العوائق الموضوعية لقيام نظام ديمقراطي « . إن إعادة طرح مسألة الدولة وإشكالاتها على الفكر السياسي العربي يتطلب بالضرورة لغة نقدية تخلو من الازدواجية والتناقض في المواقف والقناعات , وتنسجم مع رؤية استراتيجية بعيدة المدى لمشروع عربي حول معنى الدولة وسماتها . بعض المواقف للساسة والمثقفين تعكس حالة من التناقض , خصوصا عند اشتداد الأزمات . خذ على سبيل المثال المقولة التي تقول « ان حزب الله دولة داخل دولة « والتي تكررت كثيرا على أيدي كتاب ومحللين كثيرين سواء قبل العدوان على لبنان أو بعده . لا يهمني في هذا المثال السجال حول البعد السياسي وتداعياته على موقف الفرقاء السياسيين في لبنان ,ما يهمني بالدرجة الأولى هو المنظور الفكري الذي يبرر صياغة مثل هذه المقولة وفق رؤية استسهالية ترى إلى الدولة مجرد نزوع إلى القوة والسيطرة على مؤسسات المجتمع بالتهديد تارة والإيديولوجيا تارة أخرى , وليس نزوعا مبنيا على الهوية الوطنية التي يفترض أن تكون هذه السمة حاضرة ومؤثرة بقوة كلما حاولنا أن نستخدم مصطلح الدولة ونوظفه في تحاليلنا السياسية . هذا على المستوى الفكري المعرفي , ولكن على المستوى الواقعي هل هناك في الوطن العربي دولة واحدة قامت - مع مراعاة الاختلافات- على مفهوم الدولة الحديثة كما يطبقها الغرب ,هذا إذا جارينا بعض المثقفين الذين يطمحون إلى مثل هذا التماهي؟ للأسف نحن ننطلق كثيرا من المفاهيم الجاهزة وعندما نصطدم - هذا إذا وعينا الصدمة - بتناقضات الواقع والتاريخ نجير تلك التناقضات لصالح الاطمئنان النفسي الذي تخلفه مثل تلك المفاهيم الجاهزة.