محمد السماعيل
يشكل العمل الإرهابي جريمة بشعة في حق الإنسانية ، وهو يختلف عن الجرائم الجنائية المعروفة ، ذلك لأن الإرهاب يتم وفق تخطيط مسبق ولا يعقبه ندم من قبل الفاعلين ، بينما الجرائم الأخرى تتم - في الغالب - دون تخطيط مسبق و يصاحبها ندم من قبل الفاعل ، وتلك بعض الفوارق بين الأعمال الإرهابية و الجرائم الجنائية الأخرى ، والأعمال الإرهابية معقدة وذلك مصدر خطورتها، فهي تنطوي على الترويع وتهديد الأمن وانتهاك الخصوصية والابتزاز والحرابة والقتل ، إضافة إلى الكثير من الجرائم الأخرى ، وبذلك فإن أضرارها اجتماعية وليست فردية فقط ، وتتطلب معالجة جماعية ليس على مستوى الدولة الواحدة فحسب .. بل على مستوى جميع دول العالم، ولذلك دعت المملكة إلى مكافحتها ، وشاركت في المؤتمرات المتعلقة بمكافحتها ، وعقدت لهذه الغاية - مؤخراً - المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب ، وكان لها ولدول مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية ، ومنظمة المؤتمر الإسلامي قصب السبق على أمم الأرض في بحث ظاهرة الإرهاب ومكافحتها ، بل وعملت على وضع الاتفاقيات والاستراتيجيات والأطر التشريعية والتنظيمية لمواجهة هذا الوباء ومكافحته والوقاية منه . ونظرًا لتصاعد العمليات الإرهابية في عصرنا الحاضر، فإنه لم تعد الأجهزة الأمنية - رغم تقدم تقنياتها وجاهزية كوادرها - هي الجهة الوحيدة المنوط بها حفظ الأمن ومكافحة ظاهرة الإرهاب، وكذلك فإن رجل الأمن - بمنظور واقعي - لم يعد وحده المسؤول عن المكافحة والوقاية فالمجتمع له دوره الأكيد في ذلك ، وذلك لتداخل المصالح الاجتماعية وارتباطها الوثيق بالأمن، فهناك علاقة قوية بين المؤسسات الاجتماعية والأجهزة الأمنية في مكافحة ظاهرة الإرهاب، وهي علاقة تخدم الصالح العام ، من خلال قيام المؤسسات الإعلامية والتعليمية والدعوية بدورها في تهذيب النفوس ، والارتقاء بالوعي الفكري حول الإرهاب وأخطاره .. بل والجريمة بشكل عام.وكما هو معلوم فإن للإعلام دوره المحوري في الإسهام في مكافحة الجريمة والإرهاب، وهو دور تزداد أهميته مع تطور العصر والحاجة الكبيرة له ، فهو الأساس في بناء رأي عام واع بأهمية المواطنة الحقة ، والمحافظة على السلم الاجتماعي ، والأمن الوطني ، في إطار التخصص والمنهج الذي يتناول بث رسائل توعوية مهمة وهادفة في المجتمع.وحديثًا أصبح الإعلام الأمني فرعًا من الإعلام المتخصص ، وذلك بفعل الحاجة الضرورية لهذا النوع من الإعلام، الذي قام بالبحث فيه خبراء وإعلاميون بغرض تحديد منهجه وآلياته في التأثير على الرأي العام ، وغرس المفاهيم الأمنية في نفوس الأفراد، ولذلك تعددت تعريفاته ، ومن ذلك تعريف أحد الخبراء له بأنه ( نوع من الإعلام المتخصص الهدف والغاية، وهو كل ما تقوم به الجهات ذات العلاقة من أنشطة إعلامية ودعوية وتوعوية بهدف المحافظة على أمن الفرد والجماعة وأمن الوطن ومكتسباته في ظل المقاصد والمصالح المعتبرة).ويرى آخر أن الإعلام الأمني (فرع من فروع الإعلام المتخصص، نشأ في الأصل نتيجة الحاجة إلى حرفيين متخصصين في إعداد رسائل توعوية ذات تأثير عال في المجال الأمني، فهو في هذا مثله مثل الإعلام الصحي أو الإعلام التعليمي...)، وتعريف آخر يرى أن الإعلام الأمني هو (أحد فروع الإعلام وعلوم الاتصال الحديثة الذي يعمل على تسخير وسائل وأساليب وتقنيات الاتصال الحديثة في التوعية الجماهيرية نحو الجريمة والإرهاب أو أيّ مشكلة تشكّل خطرًا على حياة الفرد والمجتمع والإنسانية جمعاء والتصدّي لذلك ، كما يسعى الإعلام الأمني إلى بناء اتجاهات سلوكية لدى الأفراد والمجتمعات للمحافظة على السلم الفردي والوطني والدولي، ولن يكتمل هذا الدور ولن تتحقق هذه الأهداف والغايات إلا بتكامل الجهود بين المؤسسات الإعلامية والأمنية وجميع مؤسسات القطاعين العام والخاص).لذا أقول : إن الاتجاه لتأسيس إعلام أمني متخصص - وفقًا لما سبق - يسهم في نقلة اجتماعية مهمة على مستوى العالم العربي في مكافحة الجريمة و الإرهاب و الوقاية منها ،وضرورة وجود وتفعيل إعلام أمني متخصص برسائل توعوية تعمل على توجيه المواطنين ملحة للغاية ، لأنه سيعمل تلقائيًا على نشر الثقافة الأمنية ، وتهيئة المواطن للقيام بدوره الأمني في مكافحة الإرهاب والجريمة، وتطوير أدواته المدنية التي تعينه على الإحساس بالأخطار ومواجهتها، فالإعلام الأمني له فاعليته في هذا الخصوص ، ويستحق أن تركز عليه وسائلنا الإعلامية ، كي نعمل - جميعاً - على تطويره ونشره في الأوساط الاجتماعية بما يحقق المصلحة العامة.Mas1mas@hotmail.com