مطلق العنزي
كان صدام حسين يحتفل بـ"النصر" ويرقص على أنقاض العراق وأشلاء جنوده وانكسار المهزومين العائدين من "غزوة الكويت".. وكان عرب يصفقون ويحتفلون بهذه الانتصارات.. وبلغ الهوس آنذاك مداه إلى الحد أن شابة جامعية فلسطينية بشرت المنتشين بأنها رأت الرئيس صدام حسين على وجه القمر يقول لها أبلغي الأنصار "أننا قد انتصرنا".. وكان الأنصار يكبرون ويهللون لهذه "الكرامة" للرئيس الملهم..المشهد يتكرر..مخدر نشوة النصر يمتد مفعوله حتى عصر الفضائيات.. والعاطفة المتأججة.. والاحتفالات في كل مكان..ويبلغ "التنشيع" الذروة: ليحترق كل لبنان ويعود إلى الوراء ثلاثين عاماً.. ويتشرد مئات الآلاف من اللبنانيين وتتحول مدنهم وقراهم إلى أشلاء.. فقط من أجل أن نعطب ثلاث دبابات.. ونقتل عشرة جنود.. وتصل الصواريخ "المقدسة " إلى حيفا.. وليمسح لبنان من الوجود.. لا بأس.. النصر هو أن يصل الصاروخ الإلهي العجيب إلى حيفا.. وأيضاً إلى ما بعد ما بعد حيفا..!!واللبنانيون الجنوبيون الفقراء ليسوا عليهم سوى"مهمة واحدة " فقط، ومعتادة: أن يحمل، ما تبقى منهم، ما يستطيع من الأمتعة ويبدأ رحلة التيه من جديد، كما حدث في مناسبات اللوعة السابقة.. يعبر اللبناني الجنوبي الأرض المحروقة، المترعة بدماء الأطفال والطاهرين، بأقدام حافية وبطن خاو وساعد منهك، ووجه خريطة الحزن.. كأنما قدر اللبناني الجنوبي أن يقدم عذابه ترفيهاً للعرب الآخرين، الذين يغدقون التصفيق والشعارات، بينما هو يغدق الدم والتسول حول جدران المدارس، ومواقف الشاحنات، وأرصفة تئن من تعبه.. لا بأس.. المهم أن يصل الصاروخ المقدس إلى حيفا.. وتصور الفضائيات مكان سقوطه.. ليحتفل الأنصار بـ"أبو الصواريخ" مثلما الاحتفالات السابقة لـ"أم المعارك".. ولنحرر الأسرى الذين حينما يخرجون لا يجدون أمهاتهم ولا آباءهم ولا أشقاءهم، ولا منازلهم.. ولا أرضهم..والسلام... لدموع ثكلى "أوجعتها الجنائز" والمفجوعين، واللاجئين والطرق والجسور المهدمة، وأطلال المنازل..@@ وتردماء الأطفال ودموع الثكالى السخية..الوقود التاريخ للحروب..وشراب الأرض الطيبةهذا السفح الخصب، بأنفاس الأطفال وأنين الأمهات..وآمال تتحطم، كما انكسار الكرامات.. malanzi@alyaum.com