مطلق العنزي

مطلق العنزي

المركز، أي مركز، هو القلب، ودائماً يحظى بوجاهة خاصة. لأن قلب الإنسان أيضاً يحظى بوجاهة خاصة، بل هو الإنسان.. إذ لو انتزع القلب لتحول الإنسان إلى كتلة لحم هامدة..المدن أيضاً تتشكل كما الإنسان.. القلب حياتها، بل قل هويتها.. والأطراف، (أو "الضواحي" كما تعرف بلغة المدن) هي "كماليات" تضفي على المدينة وجاهة الغرور، وتمدها بوسائل للسمو..وضواحي المدن تعبر دائماً عن كونها أهمية ثانوية..وفي عصر الرأسمالية الصناعية تحولت الضواحي إلى "أحزمة فقر"، ومدن صفيح يسكنها العمال الكادحون المقاومون لسقف القاع، والمهاجرون الهاربون نفي البؤس والضراء.الكاتبة الفرنسية ايزابيل أفران ألفت كتاب "الضواحي.. الشرق الأوسط، ونحن".. ولم يصلنا الكتاب بعد.. ولكن عنوانه يثير براكين الوجع وحمم ألم السياط..فسكان ضواحي المدن الغربية المقصودون يشكلون حزاماً لا ينتمي إلى المدينة الفارهة.. وخارج الإطار الماسي المقدس لمدن النيون، وبالتالي توجد شكوك في شرعية حياة سكان الحزام وأهليتهم الإنسانية، لأنهم شرقيون ولأنهم، في الغالب يحملون سحنة مختلفة، يلفظها الإطار الماسي..المدن تنهكها الدعة والرفاهية والأنانية المفرطة.. والضواحي ينهكها التعب وعذاب السياط..سكان المدن الفارهة يتنفسون من جيوبهم، وسكان الضواحي يتنفسون آلامهم..المدن تسهر للمتعة، والضواحي تسهر بالأنين والدموع..يا لهذه الإطارات.. التي تخلق ولع الإنسان بالعذاب، وصناعة "العوازل" والقضبان والجدران والأحزمة..إطارات طبقية، ومناصبية، ودينية، واجتماعية، وحتى جغرافية..!!بينما يتشدق المتنطعون الذين يلبسون الجفاء شرعية الود. بأن كل الناس، أبناء تسعة أشهر، وأنهم متساوون في الحقوق والمسئوليات والواجبات.هذه فلسفة، وأماني، يزدريها الواقع ويحتقرها. ويركلها منذ بداية السفح..ولكن أحزمة الضواحي والمدن، توثق دائماً، أن الحقوق للمدن والمسئوليات على الضواحي..المدن مرفهة، تأخذ نصيبها سريعاً من الميزانيات والاهتمام وكل أنواع الدلال.بينما الضواحي، المكتظة بالقنوط، تدمن الانتظار واليأس والهموم.. وتشرب دموعها.. وحينما تتجمد الدموع، تتحول إلى حجارة تقذف بها الواجهات الزجاجية للمدن المغرورة.. لنسأل باريس، ولندن، ويوماً سان فرنسيسكو وكل مدن الهيبة العصرية وفرح العطور والسمو.. كيف انفجرت معازل الأحزمة..؟!!.وترلسكان الصفيح، قطعان الاستهلاك المتعبة..السكينة..وصراخ موسيقى صاخبة تندلع في ملهى قديم مكتظ بأنفاس الضواحي..وهراء منظرين يبتسمون لمذيعة فضائية تذوب بأضواء الكاميراتوألوان أكوام المساحيق..لماذا الدفء لمدينة الزجاج..؟..والصقيع قدر الصفيح وأحزمة الضواحي.malanzi@alyaum.com