محمد الحرز

محمد الحرز

ليست الرواية النسائية المحلية ذات طابع خصوصي , وذات سمات تكوينية تعكس طابع التسمية . هي رواية تستجيب بالدرجة الأولى للتحولات الاجتماعية والثقافية التي طالت جميع أوجه الحياة في بلادنا كما هو عليه الحال في الرواية الذكورية إذا جاز لنا الفصل ولو مجازيا. لذلك لا يمكن الركون في تصوري إلى هذا النوع من التصنيف دون أن نقع في دائرة الالتباس التي تفضي بالباحث في مجمل الأحوال إلى معالجة الرواية المحلية من منطلقات تصورية مسبقة تفترض أن الكائن الأنثوي يعالج قضاياه الإنسانية والاجتماعية إبداعيا بمعزل عن المؤثرات الفنية والثقافية للكائن الذكوري , وهذه إحدى القضايا التي طغت على مجمل القراءات التي تصدت للإبداع الروائي التي تكتبه المرأة , ولكن لا يعني ذلك من جهة أخرى , أنها لم تحاول معرفة أو الكشف عن عوالم هذا الإبداع , بل وجدنا في الكثير من الكتابات التي تقارب هذا النموذج الروائي أو ذاك , الاستدلال الدقيق على السمات البنيوية التي تخص عالم المرأة الروائي , وهي سمات تكشف بحسب تلك المصادر الوعي الذي تشكل فنيا بأهمية السرد الروائي في التعبير عن التحولات الثقافية والاجتماعية التي طالت مجتمعنا في الآونة الأخيرة , خصوصا ما يدور حول المرأة من إشكاليات وقضايا . ربما يرى البعض أن هذا الوعي الفني عند المرأة مازال طفوليا , أي أنه مازال يتلمس طريقه في التشكل والنمو مقارنة بتاريخ الرواية في بلادنا الذي تشكل على يد السرد الروائي الذكوري , ولكن مهما يكن من أمر تبقى الرواية المحلية من منظورها الفني والثقافي عند المرأة أكثر ديناميكية وحركة , ليس المنظور الذي يحصر القيمة الفنية في معيارية الخبرة وكثرة الإنتاج والتي تدعمها في الغالب صحافة أدبية غير متخصصة على الإطلاق بهذا الجنس الإبداعي أو ذاك , ناهيك عن تناول الأعمال الروائية الجادة خارج نطاق المؤسسات الرسمية . ولكن المنظور الذي نعنيه هنا هو أن المرأة وجدت ضالتها إبداعيا في الجنس الروائي باعتباره الأكثر قدرة على تجسيد المرأة كما هي في مجتمعنا دون أكليشيهات أو رتوش , لذلك جاءت رواية رجاء الصانع (بنات الرياض) لتعطي هذا الانطباع الذي يفتح الباب على عوالم كانت إلى حد قريب من التابو , وإن كان كانت الرواية الذكورية حاولت من جهتها أن تفتح هذه العوالم مثل روايات غازي القصيبي أو تركي الحمد , أو في بعض روايات عبدو خال , إلا أن الفرق يكمن في اللحظة التاريخية التي تشكلت فيها تلك الروايات , وتلك التي تحاول أن تقولها المرأة في سردها الروائي , إنها تسرد على خلفية ثقافية لجيل من مقوماته الأساسية سهولة الانفتاح على العالم والتأثر به حد الجذور . وهذه إحدى السمات التي يجب مناقشتها من العمق لأنها جعلت المرجعية الفنية لتقييم الأعمال الإبداعية عندنا تحت طائل الشك , حيث كان مد التغيير والتحول البنيوي فكك كل ثقافة ساكنة تطمئن بدرجة أو بأخرى لمسلماتها حول ذائقتها الجمالية . وأصبحت الرواية النسائية إشكالية من هذا المنطلق وليس بسبب عوامل فنية كما يشاع غالبا, في رواية (الفردوس اليباب) لليلى الجهني رغم المنظور الرومانسي التي ظهرت به المدينة في الرواية غير أنها مثلت عالم المرأة بامتياز أي أن التقاط الحياة السرية للمرأة هو اختصاص أنثوي لا يمكن أن يكون للرجل دور فيه مهما أبدع فنيا , رغم ما يمثل أمامنا من نماذج روائية ليست محلية فقط وإنما عالمية, أبدعت شخصيات نسائية على مستوى عال من التقنية الفنية والحياة الخلاقة , إلا أن ذلك يبقى استثناء . إن اللافت للنظر من جهة أخرى هو اللهاث السريع في الإنتاج النسائي لرواية , وهي تشكل في ظني ظاهرة ثقافية وليست فنية إبداعية , تعود كما قلنا سابقا إلى محاولة كسر الثقافة السائدة التي أخفت بآلياتها بطريقة أو بأخرى صوت المرأة على المستوى الإبداعي التعبيري , لذلك رأينا كيف بدأت الأصوات النسائية تكسر قشر البيضة لتخرج إلى العلن , فعدا رجاء عالم , وأميمة الخميس , هناك نورة الغامدي , وزينب حفني , وبدرية البشر , وقماشة العليان . وهي أصوات متباينة فنيا إلا أن مرحلة تشكل العمل الفني على خلفية ثقافية في إطار التشكل والتجدد , هذا بالنسبة لي مربط الفرس الذي ينبغي ابرازه في اللحظة الراهنة من تحولاتنا الثقافية والاجتماعية المهمة لأجيالنا القادمة . إن الحديث عن الإبداع المحلي هو في العمق منه حديث عن الذاكرة الثقافية للإنسان , والذاكرة بدورها سياق تاريخي شديد الخصوصية والتنوع , وبالتالي يصعب الإمساك بخيوط تشعباتها المتشظية في جميع الاتجاهات .ولا أريد هنا المغامرة في الحديث عن هذا السياق طالما لم نؤسس إلى تاريخ فني يحكم مسار تطور الإبداع بجميع أبعاده الفنية والذوقية والثقافية . لقد كسرت مخيلتنا حاجز الثيمات المقدسة في الواقع , لكنها لم تزل تراود مكانها , لأنه بكل بساطة لم يتحول منظورنا الجمالي إلى قيمة , يمكن الركون إليها في تأسيس وعي جمالي مغاير , واستثنائي على الإطلاق. ان اكتشاف النصوص الإبداعية طريقة إلى الدخول في مبدأ اللذة والمتعة , وهو مبدأ كما تزعم قناعتي , يعلي من شأن النزعة الفردية في تلقي النصوص , وبالتالي في التعبير عن جوهر العلاقة بين النص والقارئ , وهو جوهر ينهض على فعل الحرية. لذلك تكمن قيمة المنجز الأدبي المحلي- سواء في الشعر أو القصة أو الرواية- ليس في الاصطفاف التراكمي الذي شهدناه في الآونة الأخيرة فقط , وإن كان هذا له أهميته على المدى البعيد , وإنما في القيمة الفنية التي تحقق تطورها على مستويين من التعالق : الأول هو ما يتصل بنظرة المبدع إلى الحياة , ومن ثمّ طريقة تحويل هذه النظرة إبداعيا إلى نص , يعكس بالدرجة الأولى جدلية الوعي بالحياة من خلال قيم : الخير والشر والحرية والعدالة والجمال إلى آخر هذه القيم التي يدور حولها الإبداع بشكل عام . يضاف إلى ذلك حساسية الوعي الذاتي للمبدع تجاه تحولات هذه القيم في نصه , وبالتالي مدى إدراكه للمبررات الفنية التي يسوقها لأجل القارئ المفترض في ساحتنا المحلية . أما الثاني فهو ما يتصل بنظرة المبدع للمجتمع في تحولاته في التاريخ والثقافة , أي النظرة التي تشبه حركة البندول في تأرجحها بين الإيديولوجيا واليوتوبيا , بين الحس التاريخي , وبصيرة التغيرات المستقبلية للمجتمع . إن تلك النظرتين قابلتان للمراهنة , وإن بمقدورهما قياس درجة الوعي الأدبي بالحياة والمجتمع والتاريخ وفق الوتيرة المتصاعدة لحركة مجتمعنا المحلي منذ نهاية الثمانينيات وبداية عقد التسعينيات.إن تعدد التصورات حول مفهوم الأدب المحلي, ومن ثمّ بالتالي حول الممارسة لا يلغي الوحدة الجمالية من العمق . لقد تشظت الذاكرة الأدبية في ساحتنا في جميع الاتجاهات , وأصبح الاهتمام بالجنس الأدبي في حد ذاته لا يشكل هاجسا أو مشروعا قابلا للمراهنة عليه من طرف المبدع , ولا يشكل كذلك تجربة إنسانية ذات صفات خصوصية , تقف خلفها دوافع التغيير وأزماته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية , فقد رأينا على سبيل المثال كيف أن الرواية أعقاب حرب الخليج الأولى والثانية قفزت إلى المشهد , وذلك من منطلقات تتصل بالشكل والموضوع وليس بالتوضع التاريخي , تتصل بالأسئلة المتراكمة التي خلفتها التغيرات الجيوسياسية والسسيوثقافية لمجتمعنا المحلي والخليجي من قبيل الأسئلة التي تدور حول الدولة والمواطنة والحرية وحقوق الإنسان ..ألخ , وقد جاءت بعض الشخصيات الروائية حاملة هذا الملمح عند بعض الروائيين ( غازي القصيبي , تركي الحمد ) وإن كانت تنتمي زمانيا إلى فترة سابقة . لكن ما يهمنا بالدرجة الأولى هو زمن الكتابة الروائية , والحوافز والمبررات الفنية والثقافية التي تستدعي مثل هذا الملمح .غير أن سياق المنجز الروائي من خلال أغلب التجارب لم يكن يتولد من فضاء تلك الأسئلة , وهذه إحدى الإشكاليات التي تنال من هذا المنجز من العمق , لأسباب وثيقة الصلة بوضعية الأدب وقيمته الاجتماعية والثقافية في حياتنا اليومية , ناهيك عن وضعية الوعي باللغة جماليا وفلسفيا وتاريخي.mohmed_z@hotmail.com