محمد الحرز
أين موضع التاريخ في ثقافتنا المحلية ؟ حسنا لنقل إننا لا نملك نظرا حادا يقودنا إلى تلمس هذا الموضع , وأننا اكتفينا بالأحاسيس التي لا تشبه الأيدي التي تتلمس غيمة سريعة لا تمطر . هناك حاجة ملحة لا تخلو منها الأفكار التي في رؤوسنا حين نحلم كل ليلة بأن ما ننجزه في الثقافة على المستوى الشخصي سوف يدخل موسوعة جينس للأرقام القياسية , وليس هناك ما يضاهي هذا الانجاز , ثم ليس علينا سوى أن نرفع شعار الخلود الذي سيغذي مخيلتنا كلما توهمنا أننا قطعنا شوطا في الثقافة والمعرفة . هل نحن سادرون في الغفلة التي تظللنا بظلالها الوارفة ؟ أيمكن القول إننا تائهون في وادٍ ليس له بداية أو نهاية !. أكان على المرء منا أن يرفع رأسه عاليا جهة الشمس ولا يتألم , الأشعة الحارقة تألف الجلد حين تكون سقوف بيوتنا لا تشير ولا تندم . لكننا ظننا أن الثقافة التي نحملها في جرار من الطين هي ذخيرتنا المتبقية من أسلافنا العظماء , حتى كاد الكلس المتساقط يخبرنا عكس ذلك . أصعقتنا المفاجأة حين جاء من يعلمنا أن الفجيعة نضجت في الجرار نفسها , فلا تحملوها على الأكتاف ثانية . دعوا النساء يحملنها بدلا عنكم أيها الواهمون الواقفون على العتبات مثل طير ألقى ريشه عليكم وذهب . دعوا الأبناء يقتربون من الأبواب , لا تجعلوها مواربة على مقاس النظرة فقط , هناك أشجار كثيفة على الأرصفة تحتاج إلى تشذيب , ولن يكون على أبنائكم سوى تدريب الأذرع على مسك المنجل والحبال . اتركوا الماء في المساطل لن تجففه الشمس ما دامت الظلال تتذكركم كلما دفعتم ابنا إلى الساحة الثقافية , وهو مزنر بعيني صقر , لا يحيد النظر عن فريسته القادمة . كان عليكم أن تثقوا بالأرض لا بالكلمات التي تهتكت أطرافها من كثرة ما مسحتم بها أطرافكم ووجوهكم وأسماعكم وأبصاركم وعقولكم . لم تسمعوا أنينها الذي يشبه أنين ذئب يوشك على الهلاك , ولم تجازفوا مرة واحدة كي تذهبوا إلى الطبيب حتى يزيح الشمع المتراكم فوق طبلة آذانكم . وكلما سقط حرف من شفاهكم ظننتم أن هناك خطأ في النطق , ولكن لم تدركوا أن ما يشدّ الحرف هو حريته للتعرف على شفاه أخرى لا تلجم حريته أبدا . الكلمات لا تضيء في أيديكم لكنكم ظننتم عكس ذلك , رفعتموها عاليا تحسبونها قناديل تنير درب العابرين إلى بيوتهم , ولا أحد كان يجرؤ على الاقتراب . أو حتى الميل برأسه جهة صديقه أو زوجته ليقول : هناك ضباب في الجهة المقابلة لا يعيق فقط الرؤية , إنما يثير رعب الأطفال وهم في أحضان أمهاتهم . لقد ربيتم اللغة حتى شاخت , ولم يعد القميص يخفي النتوءات البارزة من عظامها المتخشبة حد القساوة . ولن يجدي تغطيسها في الماء كل يوم لأن ذاكرتها ستختلط مع ذاكرة الماء , وأنتم لا تريدون ذلك . ستدركون لا حقا حقيقة ما أقول . الصمت عندي درجة أقل من أن أذهب إلى زاوية شبه مظلمة من البيت وأجلس القرفصاء ولا شيء بعدها . لم يحن الوقت كي تثقوا بما تقوله الأرض لكم من أسرار , وما تمنحه من كنوز رائحتها تأتي من عمق الماضي , وكذلك من أحلام الأساطير . خدعكم الماضي كثيرا حين علق على أسوار بيوتكم ثياب التاريخ بخفة طائر , ثم فر هاربا إلى المكان الذي ألفتموه دائما , فرحين كنتم بهذه الهدية التي أنزلتموها منزلة القلب , حتى قلتم في سركم سنلبسها في كل مناسبة , ثم نطوف بها بين الناس في الحارات والشوارع والأسواق, وكأنكم تشيرون إلى التاريخ وليس إلى أنفسكم . حتى أن الثياب نفسها خافت عليكم من الحسد , وعندما عرفتم الإشارة طفتم حول المباخر وطعم الدخان الممزوج برائحة العنبر والعود ملتصق بألسنتكم وبلعابكم الذي يسيل على الشفة السفلى دون أن ينتبه أحد لذلك . الأرض التي تعيشون فوقها لم تبخل عليكم بالماء ولا بالشجر أو بالهواء , فلماذا إذن بخلتم عليها بالثقافة التي تحفظ لها سمعتها في التاريخ ؟! أكان يصعب عليكم ذلك ؟ لا أظن . أم أنكم توهمتم أن طحين الثقافة الذي تخزنونه في أكياس داخل بيوتكم هو كاف كي يغذي أرضكم , ألم تفكروا في أن عمر الأرض لا يقاس بأعماركم . الذين جاءوا لكم من أصقاع بعيدة , والعرق يقطر فوق جباههم كأنه الماء بسبب رؤوسهم الحاسرة تحت الشمس , لم يكونوا يعلمون حقيقة الأمر , فقط ربتوا على أكتافكم , شادين على أيديكم , وكأنهم يقولون : أحسنتم صنعا لا تقيدوا الأرض بطحين غيركم . لم يدرك هؤلاء ماذا يدور في رؤوسكم من أفكار .. لقد أضاعوا الدليل إليكم. لكنهم اكتشفوا لا حقا أنهم خُدعوا ولم يكن عليهم سوى أن يمحوا الآثار التي خلفوها وراءهم عندما كانوا يعبرون على الطريق نفسها التي جاءت بهم إلى هنا ذات مرة . كانت خديعتكم الكبرى أن تقولوا للأرض : لقد جلبت أقدامنا السعادة لك . وتحت كل شجرة , أو تحت كل سور بيت أو حديقة أو شارع هناك ذكرى تلمع لهذه السعادة التي سميتموها بينكم المجد العظيم مقارنين به سور الصين العظيم . لذلك شجرة واحدة تكفي حينما تسقط ثمارها على الأرض كي تحسوا بعظمة ما أنجزتموه أمام الآخرين . لا تفتحوا أعينكم , ولا تحدقوا كثيرا في التراب الذي تحت أقدامكم حتى لا يضربكم زلزال , اجتهدت الأرض كثيرا كي لا يخطفكم من فوقها . لذلك انتبهوا للخطوات التي تهرب , والتي لا تهرب . انقشوها على العتبات قبل أن تذهبوا إلى حقولكم كل صباح . والشمس التي ابتكرتموها لأرضكم لا تخرجوها من جيوبكم إلا إذا حل المساء ,لأن النجوم لن تستيقظ على وقع أقدامكم , ولا على حفيف تنفسكم . والليل لا يسمح لكم بالمجيء إليه إلا إذا نزعتم الريح من جلودكم تاركين الغبار يدله على المتاهة التي هي لصق ظهورنا منذ الولادة . الرعشة التي تعلو أيديكم كلما اقتربتم من المعاول ما هي إلا بقايا الصرخة التي اختنقت في حناجرنا , وكانت تشير إلينا كلما غسلنا شفاهنا بالماء . وكلما أيضا استفاقت ألسنتا على طعم الهواء الحارق بسبب الصيف . عندئذ يئست الأرض , ثم انحدرت صوب البراكين , وأنتم تتفرجون إلى ذاكرتكم وهي تحترق , لم تمدوا أيديكم , ولا حتى كلماتكم . الصمت وحده هو الذي عبر فوق رؤوسكم وكأن ملائكة نزلت عليكم من السماء تهدهد سكينتكم , حتى غدت سكينتكم مضرب الأمثال عند القاصي والداني . ولكن هل التاريخ يئس من ثقافتكم , ومل فضائحكم التي لا تعد ولا تحصى؟. ربما التاريخ أصابه العطب , ولم يعد يشعر بأنه تعفن في أيديكم . رُؤية الماء لا يشعره بالعطش , ولا هواء الصحاري يرد إليه نبض الحياة . الصرة ما زالت مُسندة على الباب وأنتم تظنونها أفعى سامة لا ينبغي الاقتراب منها إلا بحذر شديد . الصرة لم يقترب منها أحد , الصرة موثوقة بشدة على مقبض الباب . من يجرؤ على المخاطرة ؟ من يتحمل سم الأفعى القاتل ؟ ليس على التاريخ المقاومة عليه فقط الهدوء , ثم الاستسلام إلى تلك السكين التي تلمع شفرتها مثل حد السيف ,ولكن أي جزء منه سيكون وليمة لأعشاب الثقافة التي يستمدون منها حياتهم المتهالكة . أي جزء سيكون عشاء لأكابر العشيرة التي اجتمعت الآن كي تغذي عقولها , ثم تمضي من حيث رجعت دون كلام أو حركة . فقط نحن المتفرجين على المسرح نأخذ بقايا الفتاتMohmed_z@hotmail.com