محمد الحرز
ينظرون إليك بوصفك كاتبا لا تحتاج إلى تعريف , أو تصنيف , لا يتعبون أنفسهم أو يبحثون عما تقوله كتاباتك من آراء وأفكار .. هم مجردون من كل ما يؤدي إلى الاقتراب من حقيقتك وما تخبئه كتاباتك . الأسماء جاهزة في جيوبهم , وما عليك أنت أيها الكاتب سوى أن ترفع رايتك البيضاء دليلا على الموافقة بدون أدنى نقاش أو اعتراض. وإذا ما داخلك شك أو ريبة , وحاولت أن تجعل من قلمك فأسا يقطع الأغصان الفاسدة التي تسطو على أشجارك , فأنت في هذه الحالة تقف في خانة الاتهام .. مِمّن ؟! أنت نفسك لا تعلم , ولا أظنك قادرا على الفهم , لا يقتربون منك ليقولوا لك أنت علماني أو ليبرالي أو ديني وكفى , بل هناك ما يمكن أن أسميه صفات إضافية لا تخلو منها ثقافتنا المحلية , ربما هي التي تدفع مثل هؤلاء لليقين المطلق الذي تتلبسه ألقابهم وأسماؤهم التي لا تحتاج إلى تصريح مرور لانتشارها بين الناس , لأنها بكل بساطة لا تحتاج إلى دعاية أو إعلان , فهي ماركة مسجلة من صنع ثقافتنا التي طورته وجعلته نجم الفضائيات بلا منازع أو منافس .. يأتيك واحد منهم ويقول لك : ( أنت علماني خارج عن الدين ) ماذا في وسعك أن ترد ؟ لا شيء تماما كأنك معطل الحواس بسبب عاصفة رملية عبرتك بسرعة فائقة .. عادة مثل هذه الألقاب لا تُهدى إليك مباشرة , ولكن في أغلب الأحيان تأتيك عن طريق البريد , وما عليك سوى أن تدفع رسوم الطرد البريدي الذي يصلك إلى منزلك دون عناء الذهاب وجلبه من صندوق بريدك , دائما هناك من يتبرع ليس حبا فيك أو حرصا على أن يعرف ماذا يقال عنك , أقلها كي يدافع عنك , ولكن ليكون أول من يشهد فضيحتك بين الناس , ويكون له السبق في التعريف بك بين مريديه المثقفين الذين يجتهدون كثيرا في تذكير الناس من الخطر القادم الذي يجلبه هؤلاء على المجتمع والدين , ولكي يكون المشهد أكثر دراماتيكيا يعيدون تركيب الصورة من جديد : ما يقولونه في كلامهم نقلا عنك ليس سوى الجزء الأبسط من كلامك أو مقولاتك , وما يرفعونه من رأي لك ليس سوى تأويل عقولهم التي لا تجتهد كثيرا كي تفهم .. وأنت في فورة هذه التجاذبات ماذا عليك أن تصنع ؟ بعض الكتاب من يذهب بالمثل , أي يجر خلفه مريديه ويرمي الكرة مرة أخرى في ملعبهم وكأنه يقول لهم : بضاعتكم رُدت إليكم , بل وأزيد منها .. لابد في هذه الحالة من قانون يحكم اللعبة فيما بين الاثنين , وقانون اللعبة بسيط ويتكون من طورين : الأول المهادنة إذا ما أحس كل طرف بأنه سوف يخسر اللعبة برمتها , ويحدث على إثرها الارتخاء وقليل من الاستسلام التكتيكي .. الثاني التواطؤ , على ماذا ؟ على الإقرار بعدم نجاح كل منهما في هذه اللعبة , وبالتالي لا يمكنهما سوى السكوت أو الإقرار بالهزيمة لكليهما , وهذا ما لا يريدانه , ولا يمكنهم ذلك على الإطلاق .. ثقافتنا لا تسمح بذلك , ومن أراد فهو مطرود منها لا محالة .. ثقافتا علمتنا منذ الصغر أن الحقيقة ليست فيما نرتكبه من أخطاء , أو فيما نراه من سلوك عبثي لطفل لم يتجاوز الخامسة من عمره , وإنما هي تكمن في رأي الرجل الناضج الذي يملك النفوذ والقوة والجاه .. فهل يحتاج الواحد منا بعد ذلك إلى دليل أو برهان على صلة الوصل القوية التي تربط بين هؤلاء وهؤلاء .. أليس من يقول أنت علماني , كمن يقول أنت ديني متطرف ؟! .. والمسألة سهلة لإثبات هذا الأمر , لا تحتاج من الصيدلية إلى مقويات , أو ميكروسكوب لترى الأشياء بوضوح تام .. ما عليك سوى أن تسمر نفسك أمام التلفاز , وتشاهد ما يحلو لك من برامج ثقافية وتربوية وتوعوية كما يقال .. ولكن لا شيء يمكنه أن يدلك على الحبل الرفيع الذي يسحبك من هذه البركة الآسنة التي أسميها الثقافة التي تربي المرايا المهشمة . وهل يمكن للواحد منا أن يرى نفسه بصفاء ووضوح إذا كانت هذه هي ثقافته ؟ لا أعتقد ذلك . ومن يرقب أن يجرب فعليه أن يرمي حجرا صغيرا في وجهها .. ماذا يتوقع أن ينتظره سوى شظية طائرة لا يدري أين تصيبه في عينيه أو رجليه أ في يديه ؟ الأطفال يقتربون دون اكتراث بالجروح التي سوف تصيبهم , ولكن أليس عليهم أن يجربوا كما جربنا سابقا ؟ أليس عليهم أن يتألقوا ويحملوا على أكتافهم نقوش الكلمات والمقولات والأفكار التي ستكبر بالتأكيد معهم أينما ذهبوا أو حطوا ؟.. هم صغار وينبغي أن تكون عقولهم تماما مثل أجسادهم مرنة وطيعة , لا يمكن أن يكونوا خلاف ذلك , وسيقال لهم : لا ترتكبوا هذه الأخطاء .. لا في عقولكم , ولا على أجسادكم , في المدرسة أو في البيت أو بين أصدقاء اللعب .. سيعلمون لاحقا كما علمنا أنهم لا يقربون الماء إلى أفواههم من عطش , وإنما من خوف حين يقول قائل : هذا الماء يحفظ أنفسكم من الضياع , وأرواحكم من التهلكة .. وهكذا كانت الحياة بالنسبة لكم هي أن تحافظوا عليها من الدنس , وركوب الموبقات وما شابه ذلك .. كبرت حياتهم وكذلك كنا والخوف ما زال يكبر حتى شاخ .. والماء الذي شربوه ما زال طعمه في أفواههم لا تزيله الرائحة ولا الكلمات الكثيرة التي نطقوا بها .. وإذا ما صادفت أحدهم في الطريق وقلت له : من قال لك هذا الكلام ؟ يرد عليك هذا ما نطق به الماء .. ليس هناك من غرابة , لأن ثقافتنا وهذا الماء توأمان سياميان لا ينفصلان , لكن الغرابة هي أن مجرى هذا الماء في عروقنا بعضه بدأ يضعف والبعض الآخر بدأ يتكسر عند المصب .. رغم ذلك هناك في الأفق من يرفع راية التصنيف التي قتلت ثقافتنا , وكانت رصاصة واحدة تكفي , ولكن لابد ممن لابد منه .. أيها المثقفون .. التسميات والألقاب كسلاح أيديولوجي في أي ثقافة ليست وهما , إنها حقيقة , ربما لم نستوعب هذا الوهم ونرفعه إلى مستوى عقولنا , لكنه ما زال يعبث في موضع في القلب , وما على الأطباء سوى تحديد مكانه لالتقاطه بالمشرط المعقم .. ولهذا غابت الحقيقة ولم ندرك أين تتلألأ كنوزها , وفي أي جهة يمكن أن تكون .. الآخرون الذين تجاوزا عندما يسمون الأشياء بأسمائها فإنهم لا يخلطون الوهم بالحقيقة , ولا البلاغة والمجاز بهما , هناك فقط التصريح وليس التلميح , القصد وليس شبهة القصد , لذلك هم لا يركبون موجة التصنيف هذا علماني أو ديني , إنما عوضا عن ذلك هم يختارون بحر الثقافة بأسراره وكنوزه , وهذا ما يغنيهم عن تأمل موجة صغيرة نحاول الإمساك بها كي نتقاذفها فيما بيننا , لا لشيء سوى للتسلية وإهدار الوقت والجهد , والغريب أننا نعلم تماما هذه الفاجعة , لكننا سادرون في الغفلة , لا نرفع رؤوسنا إلى الأعلى تاركين قوارب النجاة تمر على شواطئنا دون أن نتمسك حتى بظلال الأشرعة التي يُسمع حفيفها في الريح.Mohmed_z@hotmail.com