محمد الحرز

محمد الحرز

ليست المدن مجرد ذاكرة، وليست كذلك الإنسان وهو يؤسس حنينه وكيانه على أرضها. على الأرجح هي حياة أخرى لا تفتح أبوابها أو نوافذها للذين مروا على عجل دون التفاتة قصيرة إلى ضجيجها في الرأس. هي ليست حياة بالضبط وليست عكسها. ربما شيء متعلق بالطفولة، أكثر أو أقل، لا أعلم. لا شيء تؤكده الكلمات التي ذاكرتها سقوف المنازل، وحدود نظرها أفق لا تعبره غيمة واحدة.(1)المدن خاتمة الأشياء عندما تقرر أن تموت، لكنها لا تمحى تماما أو تغور، سيبقى جزء منها يلوح كمنديل فوق رؤوسنا كلما مسنا مطر خفيف لا يبين. ومدينة كالأحساء هي لا تلوح فقط، وإنما تترك أثرا يشبه الوشم في اليدين. مدينة لم تخرج، لكنها تركت عاصفة غريبة تتسلل إلى بيتها، وكان على أبنائها أن يفكروا في خيانة الأبواب. صغارا كنا لا ندرك المعنى الجغرافي الكامن خلف كلمة مدينة، جميع الأمكنة متشابهة، وكان الزمن هو حليفنا الوحيد الذي يهيأ ليله ونهاره كي نكبر في أحضانهما بلا ظلال وارفة. لم نكن نعلم أن الخطوات التي تنزفها الأقدام بين الشوارع والحارات ستكون لاحقا هي القنديل الذي يضيء حقل أيامنا القادمة، ولن تتراكم عتمة طالما لم تعبره ريح أو مكيدة. وليس هناك سوى الضوء الذي لا يستسلم سوى للأيدي التي تجرح الهواء كلما وقف مبهورين هؤلاء الصغار على عتبات بيوتهم منتظرين حماما كثيرا يحط على أكتافهم بينما الضحى في أوله. لم تكن الأبواب مواربة عندما ينظر الصغار إلى أنفسهم من ثقوبها الواسعة، كانت مجرد خدعة لا تنطلي على الآباء والأجداد، وإذا كان ثمة من يشير إلى مخابئهم مجرد إشارة لا يقصد منها الفضيحة أو الكشف، فإن القصة لا تبدأ إلا من خطأ يكبر في القلب، ولا يذوب في الدم، لأنه جرح غائر في الروح. القصة ليست هي الحكاية، الفصل بينهما ضرورة لا تخلو من المخاطرة. ليس نهر ما يفصلهما، إنها الهاوية التي لا تتصل بحافة، الهاوية التي لا تتذكر ضحاياها، الهاوية التي تهمس لأختها: هؤلاء هم صغاري الذين دربتهم على القفز دون مظلات، ودون ريح في جيوبهم. القصة في النهاية تشبه الماء الذي يتسرب من اليدين، أما الحكاية فهي الأغصان المتروكة على جانبي الطريق بعدما يئس الفأس من تحويلها إلى طاولة. هي حكايتنا التي تمشي في نفق من جهة واحدة ولم تيأس. قد تطول المسافة أو تقصر، لا يهم ما دام التراب ينبض تحت أقدامنا، والحصى يركض إلى النبع لأن ندما لصق أحذيتنا جففته ظهيرة لاهبة. من سيجرؤ على النظر إلى ظهورنا نحن الذين فتنّا الأشجار، ولم تجرؤ ثمرة على السقوط إلا بعدما لامستها أكفنا، والماء لم يصعد إلا بعد أن همسنا للجذور بالسر، وقالت الأرض هذا العابر زلزال صغير لن يبوح، وجنوده لا يجيدون المكيدة كأنهم لغم لا يصيب هدفه. كبرنا خلف تلة لم يسكنها بشر، ولم تعو بين صخورها الذئاب. والأمطار الموسمية لم تتعهد أعضاءنا، وكلما مات عضو كتبنا على شاهدة القبر: هذه يد جرحتها حبال ملقاة على حافة بئر يابسة، وهذه عين اصطدمت بخفافيش كانوا يحملون الظلام على أجنحتهم الحادة. وعندما فكت السماء أسراها، وعاد العالم إلى فكرته الأولى، والملائكة إلى صوتهم الذي يليق بهمهمة الصوفيين عند التلاوة والذكر، رجعنا إلى أرضنا وكان ماء كثير يهذي في الجرار، وخشب يئن من صرير الذكريات، وكانت أسوار البيوت ليست واطئة ولا عالية، وكان التمر على الشفاه بداية الضوء ونهاية المنجل. رجعنا والنخل في أول المساء لا يضيء، وعندما سألنا قالوا: انكسرت الأوجاع عند المصب، ولم يتسرب منها ما يشعل عود ثقاب. لذا سيكون علينا لاحقا التريث في العبور لأن الوحدة لا تمسك بالهمس فقط، لكنها تمسك بالغبار الذي يرتفع مع كل يد تضرب الهواء. هكذا كنا في الممشى، ولم تكن الاحساء في أول الطريق ولا في آخره. كانت على حافة المراكب التي انطلقت تجوب البحار دون توقف على أي ضفاف. وكانت الأشرعة هي أبناؤها، وكلما اشتدت العاصفة كانت الدفة تميل جهة هؤلاء الأبناء. وسيتذكر البحر العشبة التي علقت في مؤخرة مجاديفهم المتهالكة من التعب. لكنهم سيمضون، لا الحنين إلى الشاطئ يضجرهم، ولا إلى زوجاتهم يعصف بهم الألم. فكرتهم عن الحياة ليست فكرة من يخرج من منزله ولا يعود، أو الأعمى الذي لا يبصر سوى ذكرياته. إنها الفكرة التي تتحول على أيديهم إلى ماسة ثمينة لا تضيء سوى دواخلهم، ولا يضعونها في أيديهم خشية الضياع أو السرقة، إنما لعرضها في سوق النحاسين ليميزوا بين حياة مزيفة وأخرى أصلية. هم لم يفرطوا فيها، ولم يكن في مقدورهم ذلك. لكنهم تركوا الآخرين يجولون في الساحة وحدهم. لم يدركوا إلا تاليا أن الساحة مغلقة ودائرية لا يوجد فيها سوى باب كبير لا يدخل منه الغرباء ولا المتسكعون. وكان عليهم أن لا يندموا لأنهم فتحوا ثقبا في أجسادهم، أو في بيوتهم. الطريق المؤدية إلى التلة مرة أخرى لا تتطلب سوى الإنصات إلى دمائهم وهي تسيل كنهر بين عراء الصخور المتوحشة. وهو إنصات لا يبوح، أو يشير ويدل بلا علامة.(2)إنشاء ناد أدبي في الأحساء ليس حدثا مفرحا فقط، لكنه في ظني تحول في السياسات الثقافية للدولة، وينبغي علينا نحن مثقفي هذه المنطقة أن ندرك أهمية هذا الحدث، وما يترتب عليه من التزامات واستراتجيات حيال الثقافة والمجتمع. ربما كان على أبناء هذه المنطقة أن يهيئوا أنفسهم ويدربوها سابقا على مثل هذا الحدث، وأنا هنا لا ألقي بتفاؤلي في البحر ولا أتمسك به في يدي، ولكن هذا المنعطف الذي يمر به الوطن لا بد أن تكون تصوراتنا عن الثقافة والمجتمع بحجم هذه الانعطافة بسلبياتها وإيجابياتها على السواء. وأولها تحول المثقف من كونه ذات تفكر بمعزل عن الآخرين، إلى ذات يكون تفكيرها جزءا من سياق شمولي التفكير، لا يصب في صالح التفكير الإقليمي فقط، وإنما يتجاوزه إلى بناء كيان يأتلف في داخله جميع أطياف المجتمع على اختلاف مشاربهم الثقافية والإيديولوجية والطائفية والقبلية. أي ينبغي علينا كمثقفين أن نوظف السياسة لأجل الثقافة وليس العكس، وليس معنى ذلك التخلي المطلق عن قناعاتنا الفكرية أو الثقافية لمجرد تبني أي استراتيجية من هذا القبيل، كل ما في الأمر هو أن نجرب التفكير الجماعي من خلال مؤسسة تنظم مثل هذا النشاط المؤثر. وتعطي بالتالي للثقافة فاعليتها على المستوى الاجتماعي أولا، ومن ثم على المستوى الاقتصادي والسياسي ثانيا. ولست هنا أراهن على شيء بقدر ما أحاول أن أقرأ المتغيرات المحتملة، والتي لا بد أن تتأثر بطريقة أو بأخرى بالرؤية والمنهج الذين سوف يتخذها النادي في عمله لاحقا. لا شك أن الاحساء لم تجرب, على الأقل، في السنين القليلة الماضية الدخول في مؤسسة ثقافية قادرة على التأثير ثقافيا وسياسيا واقتصاديا ليس على أبنائها فقط وإنما ضمن رؤية ثقافية ترى لمفهوم الوطن الركيزة الأساسية في بناء الفرد المواطن. بالتأكيد هناك مؤسسات أخرى من قبيل: الجمعيات الخيرية وفروعها، هيئة الإغاثة وفروعها، جمعية الثقافة والفنون... إلخ، لكن الرهان الحقيقي الذي أراه الآن يطل برأسه في الأفق هو تجسير الفجوة بين المجتمع من جهة وبين الثقافة والإبداع والأدب من جهة أخرى. وهو رهان يصعب تحقيقه إذا لم نضع في أذهاننا أن بناء النسيج الاجتماعي لأي مدينة من خلال المؤثر الثقافي لا يبدأ إلا انطلاقا من رغبة الجميع في تبني قيم مشتركة هي ما يمكن تسميتها بخصوصية المدينة، ولكن من جانب آخر لها بعد وطني يمكن أن يدخل في النسيج العام للوطن. فهل يمكن أن يدخل النادي الأدبي الجديد ضمن هذا الإطار والطموح أم لا؟ سنرى ذلك مع الأيام.