محمد الحرز
يجمع غالبية الكتاب الذين درسوا التراث الإسلامي على أن الاهتمام بالسياسة كعلم مستقل جاء متأخرا مقارنة بعلوم أخرى كعلم اللغة، وأصول الفقه، وعلم الكلام، والتاريخ، والحديث، والبلاغة والعروض والفلسفة.. الخ. فقد كانت أغلب المسائل التي تدور حول الخلافة والشرعية والإمامة ترتبط بعلم الكلام ومؤثراته وسياقاته اللغوية والفكرية. ولم يكن هناك على الإطلاق ما سمي لاحقا بالفقه السياسي، أو الأحكام السلطانية وآدابها. لكنهم اختلفوا في أسباب النشأة وظروفها التي هيأت لوجود نظرية الخلافة أو الدولة, وسأقدم في هذه المقالة بعض الآراء من طرف مفكرين حاولوا أن يشرحوا الأسباب والعلل في تشكل المجال السياسي وعلمه انطلاقا من مرجعيات فكرية وثقافية متباينة في الرؤية والمنهج. ومن ثم أقدم مقترحي من وجهة نظر تاريخية بحتة. يقدم عبدالإله بلقزيز في كتابه «تكوين المجال السياسي الإسلامي» ثلاثة أسباب لميلاد هذا النوع من العلم. أولها وجود أسس معيارية كانت تشكل مرتكزا للتفكير في الدولة والسلطة والسياسة، وهذه الأسس يمكن إرجاع بداياتها إلى الإمام الشافعي في مجال أصول الفقه، وكان تأثيرها كبيرا على اللغويين والنحاة، وكذلك امتد هذا التأثير على علم الكلام وعلم الحديث إلى أن بدأ مفعولها يسري في الفقه السياسي. وعند هذه النقطة يقول «القارئ في نصوص الفكر السياسي الإسلامي التأسيسية في القرن الخامس الهجري (الماوردي، أبو يعلى، الجويني) يلحظ أنها تستعير ذات القواعد أو الأسس التي قام عليها الشافعي علم أصول الفقه، من كتاب وسنة وإجماع وقياس وتؤسس بها المعرفة داخل هذا المجال، مما يقطع بأن الفكر السياسي تأخر في جانب منه لأسباب ايبيستيمولوجية، أي البحث عن أساسيات معرفية يقوم عليها صرحه». أما ثاني الأسباب عنده فتكمن في استقرار الدولة والخلافة باعتبارهما المجال الذي تدور حوله النظرية السياسية. فالاستقرار في تصوره هو اكتمال صورة الخلافة الإسلامية في أذهان المسلمين لحظة التنظير في القرن الخامس الهجري، وعليه فهو يؤكد على حقيقة مهمة وهي رغم انفصال هذه الصورة عن واقع الدولة السلطانية كدولة قهرية في التاريخ الواقعي للمسلمين إلا أن معظم الفقهاء ظلوا يسبغون عليها الشرعية الدينية انطلاقا من هذا التلازم بين الديني والسياسي. أما ثالث الأسباب فهو «التحدي الفكري والسياسي الذي طرحته نظرية الإمامة الشيعية على فقهاء دولة الخلافة حين تبلورها في وقت مبكر وإقامتها نظام الحكم الإمامة على قواعد لم يكن ليأخذ بها القسم الأكبر من المسلمين. وهو ما حمل على إنتاج نظرية الخلافة وتأسيس منظومة مفاهيم السياسة الشرعية ردا على فقه الإمامية السياسي. ويذهب بعض الكتاب إلى إيجاد صلة وثيقة بين نشوء الدولة في الإسلام وبداية تكوينها وبين تطور الفكر السياسي سواء التشريعي الفقهي أو الأحكام والآداب السياسية بناء على وقائع وأحداث في التاريخ الإسلامي. ومما لا شك فيه أن التحليل الذي يركز على نشوء الدولة يفتح الباب على معرفة معمقة في الكشف عن أساسيات الفكر السياسي الذي ارتبط به. برهان غليون أحد الكتاب الذين يبحثون المسألة من منظور شمولي، أي يضعها ضمن إطار إشكالية الدين والدولة في الأديان السماوية الثلاثة, وذلك في كتابه «الدولة والدين»، فهو ينزع في تحليله إلى وضع المسألة في إطارها التاريخي كون الأديان الثلاثة تشترك في خصوصية التوحيد، وبالتالي ينحو إلى القول بأن سبب النزاع بين الدين والدولة هو واحد عند الأديان. نشأ بالأساس ضد الدولة العبودية التي تفاقم انحطاطها وفسادها فتحولت إلى دولة قهرية سواء في اليهودية أو المسيحية أو الإسلام. وينبغي أن نشير هنا إلى أن الكلام حول إشكالية الدين والدولة لا يخرج عن حديثنا الذي صدرنا به المقالة حول تأخر نشوء الفكر السياسي، فهما وجهان لعملة واحدة، صلة الوصل ما بينهما هو السؤال التالي: أيهما أسبق في التحليل النص كمرويات أو التاريخ كوقائع وأحداث؟. والخيار بين أحدهما هو خيار الكاتب نفسه وفق قناعاته الثقافية والفكرية. إن برهان غليون يصل إلى نتيجة من تحليله هي «أن الدولة لم تولد في حضن المجتمع الإسلامي من الإسلام التبشيري الأول الذي انبثق كثورة عقيدية واجتماعية وسياسية ولكن بالعكس من الردة القوية على هذا التصور الثوري الأول للدين، ومن عودة الدولة في مظاهرها الساسانية والبيزنطية ونجاحها في إخضاع هذا الدين وإعادة رجالاته إلى العمل في حظيرة الدولة وتحت سياقاتها. لقد نشأت من إلحاق الدين بالدولة. ويدلل على ذلك بتحليل واقعة الحرب الأهلية التي عرفت في التاريخ العربي الإسلامي باسم الفتنة الكبرى ودامت خمس سنوات متتالية» كان من نتيجتها نشوء أول انقسام حقيقي في الجماعة الدينية الجديدة وولادة الدولة, أي فرض سلطان واحد وسياسي لا ينازع، وهو ما عبر عنه المؤرخون العرب عندما تحدثوا عن ولادة الملك العضوض». إن كلا التحليلين السابقين يؤكدان على البعد التحليلي للتاريخ كمرويات ووقائع، أي استخلاص وجهات نظر حول مسائل أزمة الدولة والدين ونشوء الفكر السياسي من خلال فهم الوقائع التاريخية وتحليلها وفق الخطاب السسيولوجي الثقافي للتاريخ. هناك بعض الكتاب من يرجع التصور الأولي للدولة إلى شيوع مهنة الكتابة بمفهومها القديم أي خدمة الدولة. ويتفق المؤرخون أنها أول ما ارتبطت بالديوان الذي أنشأه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب, ثم تطور هذا المفهوم في العهد الأموي والعباسي. يقول علي أومليل في كتابه «السلطة الثقافية والسلطة السياسية» لقد أدخل الكتاب الإداريون فكرا سياسيا معينا، صحيح أنه موزع في العديد من الحِكم والنصائح والأمثال والوصايا التي اشتملت عليها آدابهم السياسية، إلا أن وراء هذا الشتات يمكن استخراج أفكار سياسية محددة، تدور حول فكرة أساسية هي: إن السياسة علم وتقاليد، فهي علم لأنه لا بد فيها من معارف فنية لتدبير الحكم وشؤون الدولة (وهم يقدمون إلى الحاكم هذه المعارف)، وهي تقاليد لأنه لا بد لحاكم من أن يستوعب فن الحكم كما عرفته الأمم السابقة التي رسخ فيها نظام الدولة. وباختصار فإن الهدف هو إرساء إيديولوجيا وتقاليد الحكم الاستبدادي، وتلك كانت غاية السياسة التي روجت لها فئة من الكتاب.» علي أومليل هنا لا يفصل بين جميع المجالات السياسية المختلفة التي عرفتها الحضارة الإسلامية، بين الفقه السياسي وآداب السياسة وفكرها. هو يؤكد ضمنيا على عدم الفرز التصنيفي الذي لم يطل الثقافة الإسلامية وعلومها إلا لاحقا، وهو صحيح في مجمله إذا لم نعتمد القرآن الكريم كمرجع أساس في فهم تلك المسائل التي شكلت نشوء الدولة في تلازم عضوي مع نشوء التصورات الأولى للدولة في المجال السياسي. هذه المرجعية نجدها عند كثير من الكتاب وخصوصا الإسلاميين منهم ولكن للأسف لا ترقى إلى مستوى الأزمة الذي يعيشها الفكر الإسلامي الحالي في علاقته بالعالم، وإنما نجد غيابا تاما للوعي بأزمات الحاضر السياسية والفكرية والثقافية والاقتصادية، وهناك تقوقع حول الماضي المقطوع الصلة بالحاضر والمستقبل. هناك البعض من الكتاب من استعان بالنص القرآني لفهم هذه الإشكالية (الدولة والدين) ولكنه تجاوز ذلك إلى تحليل عميق لفهم المرويات والنصوص وتمحيصها من خلال عمل مؤرخ محترف، يأتي في هذا الصدد رضوان السيد، هشام جعيط، ناصيف نصار، وجيه كوثراني.. الخ. إن الأهم في هذا السياق يكمن في ظني عند نقطة من الأهمية بمكان تبدأ من إشكاليات الحاضر ومن ثم تنطلق بعدئذ إلى فهم الماضي التاريخي. هذه البداية تنطلق من السؤال الافتراضي التالي: هل يشكل سوء المعتقد في العالم الإسلامي عائقا لفهم الدولة حاضرا وماضيا؟ ربما كان ذلك، ولكن نترك تفصيل هذا الأمر في مقالات قادمة.mohmed_z@hotmail.com