مطلق العنزي

مطلق العنزي

لا نعلم متى وأين نموت؟.. فهذه في اللوح المحفوظ..وهذه الغيبية، تجعلنا نتخيل أن ساعة الأجل بعيدة.. وبعضنا يمتد به الخيال إلى حد التطرف بأن يعتقد أنه مخلد، ولو لم نبتلى بهذا الوهم، لما رأينا بعضنا يقبل على الدنيا بكل طاقته وجوارحه، فهي عنده ختام الحياة ونهاية المآل، فيأكل بعضنا المال السحت الحرام، ويلغ بأعراض الناس، ويلتهم لحومهم، حقوقهم، دون أن يطرف له جفن..ومن بين هذه الجموع التي تتقاتل على "نهب" الدنيا، وتقاسم "الغنائم"، يوجد "الناجون" الذين لا يبيعون الدنيا مهما كبرت بذرة من الآخرة، أولئك أولياء الله وأصفياؤه و"أشجع الشجعان" الذين لم تغرهم الدنيا بزخرفها، فقاوموا إغراءاتها وتأنقها وفتنتها.. ويعيشون الدنيا باعتبارها دار سفر، يمضونها ببذل الخير والقول الطيب ويذكرون الله في السرور والغضب وقياماً وقعوداً وعلى جنوبهم.. وحينما يرحلون يتركون مجالسهم معطرة بالنقاء وألسنة تلهج بدعاء صادق من القلب، وفقد أليم..الشيخ عبدالرحمن المسلم، والد زوجتي ام عمر وجد أبنائي، رغم أن شهادتي فيه مجروحة، إلا أنه في يقيني ومعرفتي به، من هذه الصفوة الكريمة التي صدت الدنيا وانحازت بكل جوارحها إلى الله. فبينما نحن نركض، لهاثاً، وراء الدنيا، كان هو يستعد للقاء الله منذ زمن طويل. فأكرمه الله، بأحسن ما يتمنى عبد صالح.لو سألت اي مسلم كيف تود أن تموت؟لقال لك إنني أود أن أموت على سجادة الصلاة، في مجلس الله العلي، وحيث الملائكة تكبر، وحيث اللحظة ملك للآخرة.وهذا ما أكرمه الله به، فقد كتب الله خاتمته على سجادة الصلاة، حيث أدى الركعة الأولى في الدنيا، وهم بالركعة الثانية، ولكن أدتها روحه في السماء لدى الرفيق الأعلى، إذ فاضت إلى بارئها حيث الطهر الكلي، والصفاء المديد، والرحمة الفياضة.وليست هذه البشرى الوحيدة، فهو، بإجماع كل من عرفوه، عفيف اللسان، وطاهر القلب، ونظيف الجسد والجيب، وكان رفيقاً يومياً للقرآن الكريم والوضوء، ونعم المرافق للرفيق.. وهذه مناقب يتمنى أي إنسان أن يفوز بمجدها وأمجادها، فهي أكبر الأمجاد وأعز الصفات.وبعد رحيله، أكرمه الله بالرحمة والمغفرة، يكتشف أبناؤه أنه كان يذهب إلى الجمعية الخيرية، دون علمهم، ليتصدق ويحسن، فيعطي بيمينه دون أن تعلم شماله. ومن مناقبه الكريمة، أنه يوماً خرج من منزله، فشاهد قططاً تبحث في صندوق النفايات عن طعام، فعاد إلى المنزل، باحثاً عن طعام، فلم يجد ما يناسب القطط، فخرج إلى المطعم وأتى بغداء للقطط. أحسن إليه الله، رحمة ومغفرة وأفسح له جنات النعيم، جزاء ووفاء لورعه، وتقواه، والله لا يضيع أجر المحسنين.. هنيئاً لك، أبا خالد، فقد أديت ما نعجز، نحن وكثيرون، عن أدائه حتى الآن.. ولتكمل صلاتك مع الملائكة وأصفياء الله. @ وترالراحلون، تغسلهم دموع المودعين، وقلوباً مكلومة بألم الفقد، يسكنون جوار اللهالأكرم من كل جوار، والأرحم من كل قريب..ما بعد خط الثرى، خلود أبدي، وحياة لا انكسار لهاحيث عدالة الله، لا هوى، ولا ميل، ولا فتنة ولا خديعة..إذ يستلم الزاهدون في الدنيا الصادقون كتبهم بيمين كريم من يمين كريملا تثريب عليهم، ولا هم يحزنون..malanzi@alyaum.com