مطلق العنزي
في الأسبوعين الماضيين، عينان، من أزكى العيون، دمعتا، وقلبان، من أرهف القلوب رقة، قد اعتصرهما الحزن الأليم..حينما يفقد الشيخ فيصل الشهيل والدته، رحمها الله، فإن الفاقد ليس ككل الفاقدين، والمعزين ليسوا ككل المعزين.كثيرون يقدمون تعازي مجاملة، و"واجب"، ولكن معزيي فيصل الشهيل، كانوا يعزون أنفسهم، ويقدمون مشاعرهم عناقاً لحزن العزيز. لأن هذا القلب الفجيع الذي يشوى بحزن حراق.. دائماً، كما كان، سكن وارف لسحنات الوجوه التي تكسو خارطة الوطن من البحر إلى البحر ومن حدود الرمل حتى ذرى الشاهقات الشم.لا توجد ملائكة في هذا العالم، وكلنا يعترينا النقص. ولكن فيصل الشهيل، يجمع معارفه ومخالطوه، بأنه من الأقلنا نقصاً. بمعنى أنه من الأقلنا حقداً، ومن الأكثرنا رحمة وسخاء. فهذا القلب الفجيع ينبض بحب الناس.حتى الذين تخالفوا مع الشهيل وخالفوه، لم يملكوا إلا أن يخالفوه باحترام، ويعارضوه بحب.لم يفرض شخصيته بأي سلطان سوى رقة القلب والصدق وسماحة الخلق وسخاء اليد. وكل هذه الميزات لا يتمتع بها شخص إلا ويحمل قلباً يتألم، آن الفجيعة، بذات الصدق والسخاء. وحينما يكون الفقيد والدة، وهبتنا نبض القلب وخطى القدم، وتعب السنين وصفاء المهجة، ليس الوداع كالوداع ولا الحزن كالحزن، إذ تنشطر الروح إلى نصفين، نصف يتألم، ونصف يجاوبه الأنين.. ويشعر المرء مهما كان عمره، باليتم، إذ يغيب فيء القلب الوارف الظلال، وتتبدد فيض المهجة الصافية النقاء.القلب الآخر، هو قلب زميلنا، المثابر على مكابدة التصنع والصنائع والمتصنعين، نجيب الزامل، وكان قد فجع بوفاة والده.وقلب نجيب، واسع يمكنه أن يمتص كثيراً من قسوة الحوادث وفظاظة المواقف وغلاظة الأسياج، ولكن الفجيعة أعصى من أن تهادن أو تبارز أو تواجه.لقلبي الفجيعة أحر العزاء، والمواساة.. وعزاؤنا أن الراحلين بضيافة أسخى الأسخياء وأكرم الأكرمين والفيض السرمدي الأزلي المديد للرحمة والعفو..@وترإذ يضج القلب الحزين بأنين الصمت..تنزف الشرايين دمها الهلع المضطرم باشتعالات الألم..وتذرف العين دمعاً عصياً يتحجر..ويصبح العالم الفسيح السهب، دوامة التيه والريح..malanzi@alyaum.com