محمد الحرز

محمد الحرز

لا أعرف كيف أسرد هذه الحكاية , فهي ليست شخصية بالقدر التي أجد فيها ظاهرة ترسخت ومازالت في مجتمعنا بصورة يصعب معها القفز على آثارها السلبية التي تمس من العمق جيلا من الطلبة والطالبات الذين نعقد على ناصيتهم النهوض بهذا الوطن في شتى المجالات . وهي تمثل جزءا من إشكاليتنا الكبرى التي ترتبط بالتربية والتعليم وعلاقة ذلك بموروثنا وعاداتنا وتقاليدنا التي تعتبر سمة من سمات هويتنا الوطنية . حكاية ابنتي التي تدرس بالصف الثاني المتوسط هي جزء من أزمة تتمحور حول المناهج الدينية وطرق تدريسها , وعلى الرغم مما أثير حول هذه المسألة من قضايا وإشكالات مازالت تأخذ بناصية الباحثين والمهتمين في مشهدنا الثقافي , وما تبع ذلك من حلول واقتراحات في تطوير المناهج , ومحاولة تعديلها بما يواكب تطورات العصر ومنجزه , وما لحق ذلك من ردود أفعال معارضة ضد التغيير أو التبديل . هذه الأزمة في تصوري لا يمكن أن تظل أسيرة نخب مثقفة تتكئ في نظرتها على النظر إلى المناهج فقط , أي يذهب نقدها إلى جملة المقولات التي تفوح منها رائحة التطرف والانغلاق ومعاداة الآخر كما في بعض الدراسات التي تمت مناقشتها سواء في مجلس الشورى( كما في دراسة عبد العزيز قاسم الرائعة في طرحها ومتابعتها الدقيقة للثغرات التي تحتويها تلك المناهج), أو في المنتديات الثقافية . بالطبع هذه لها الآثار الإيجابية في تطوير النظر إلى مناهجنا من منظور الأخذ بأسباب التطور المعرفي , والطريقة الحضارية التي نتعامل بها مع المعرفة بشكل عام . لكن الذي أريد أن أركز عليه في هذه المقالة هو نفوس الطلبة والطالبات باعتبارها المتلقي لهذه المناهج التي ظلت فترة طويلة تلقن أجيالا وأجيالا مقولاتها المحملة بالتطرف ومعاداة الآخر ونحن كجيل شاهد على هذا التلقين . إن هذا التلقين تحول مع الزمن إلى رهاب نفسي خصوصا إذا كان حاملوه لا تتجاوز أعمارهم عمر الشباب والتفتح على الحياة بكل حيوية ونشاط . وابنتي كإحدى البنات التي تتلقى مثل هذا الرهاب النفسي , فقبل أسابيع كنت ألاحظ عليها نوعا من التغير المشوب بالخوف والتوجس , فكلما جرى الحديث أمامها عن الموت بمناسبة وفاة شخص أو قريب , تنخرط بالبكاء الذي يصل إلى الهستيريا , فزعت من حالتها , الأمر ليس طبيعيا هذا ما بدا لي منذ الوهلة الأولى , طلبت المساعدة من عماتها وخالاتها , حتى أنني فكرت في عرضها على طبيب نفساني , لكني تريثت قليلا , فالأمر يحتاج إلى تفكير عميق . بعد محاولات عدة , ماذا اكتشفت ؟ إنها معلمة الدين التي جعلت من مواعظها عن الموت شبحا مخيفا يطارد الفتيات حتى في أحلامهم الوردية . لقد كانت الصدمة قوية بالنسبة إلى فتاة تعيش مقتبل العمر , أليس هذا نوعا من التجني على فتياتنا اللآتي يحتجن إلى الأمان بالقدر الذي يكن فيه تحت أيد أمينة تساعدهن على تحقيق أحلامهن في الحياة بطريقة حضارية وفعالة في اكتساب التربية والسلوك العصري ؟. أليس في هذه الحكاية ما يشبه الظاهرة التي نجدها في أكثر من بيت ومنزل ؟ أليس ما نحتاجه في معرفة أسباب هذه الظاهرة هو معرفة جملت هذه القصص التي تعكس هذه الأزمة , ولا يتم ذلك بالبحث والاستقراء عن مثل تلك الحالات التي تمثل حكاية ابنتي إحداها على الأقل . إن خفايا مثل هذه الحالات لا تظهر على السطح , إنها تظل في نفوس الطلبة والطالبات كشرخ لا يمكن ردمه على الإطلاق , بل أكثر من ذلك إنها تأتي في بعض الأحيان إذا ما كان أغلبها بمثابة النواة التي تنبني عليها شخصية الفرد , وهذا بطبيعة الحال له خطورته التي لا يحمد عاقبتها على الإطلاق . ربما نحن لا نشعر بمدى هذه الخطورة عند أبنائنا إلا إذا نضجت شخصياتهم وتحولوا إلى ناضجين لهم استقلالهم الخاص , عندها نتساءل كيف ذهبت تربيتنا ؟ ولكن لا نتساءل ما هي تربيتنا التي تلقيناها عن الآباء ثم أوصلناها إلى الأبناء ؟ .لقد جرى في أغلب الأحيان تجاهل مثل هذه الحكايات التي تمر دون أن تشكل معضلة للقائمين بالمسؤولية على وزارة التربية والتعليم , ولا أن تقودهم بالأخذ بأسباب حدوث مثل تلك الحالات والعواقب المترتبة عليها. إن دائرة المسؤولية تتسع كلما تعمقنا أكثر في التعرف على مدى ما يعانيه هؤلاء الأبناء في تلقيهم التربية الدينية من صعوبة , ومن سوء فهم للإدراك النفسي التي تصنعه طريقة التدريس من جهة , ومستوى المعلومة ومدى ارتباطها بالحياة اليومية للأبناء من جهة ثانية . هذان العاملان لهما أهميتهما في تحليل العلاقة القائمة بين هؤلاء الأبناء وبين الثقافة الإسلامية التي يتلقونها في المدارس وفي الجامعات أيضا , ويجب أن نعترف بأننا نعاني صعوبة في تحليل جميع مستويات تلك العلاقة , لأننا لا نملك مؤسسات متخصصة في البحث في مثل تلك المسائل , هناك ما يشبه اجتهادات فردية لا تفي بالغرض , نحن نسمع دائما أن المسئولين في وزارة التربية والتعليم - وأنا هنا لا أعني الوزارة فقط وإنما كل مؤسسة تربوية دينية في مجتمعنا تعنى بتثقيف الأبناء دينيا- مازالوا يطورون في المناهج , ويخرجون علينا بين الفينة والأخرى بمقترحات لا تمس سوى بنية المناهج فقط دون أن يسعوا من خلال الدراسة والتقصي إلى فهم الأسباب النفسية والتربوية والثقافية والاجتماعية المرتبطة بتلك العلاقة , والتي من أجلها سعوا إلى تطوير المناهج. إن مقولة مواكبة التطور والمعاصرة لا تكفي في ظني في تفسير عملية التغيير بأكملها , إنها مقولة عائمة وغامضة في نفس الوقت , نحن كآباء ومسئولين ينبغي أن نسأل : ماذا حدث حتى يتم التغيير ؟ ولماذا لم يحدث التطوير في سنوات سابقة ؟ هل المسألة مرتبطة بعامل سياسي ؟ أو عوامل أخرى وثيقة الصلة بالتغيير وليس لها بالتالي علاقة بالمناهج نفسها ؟ إنها في ظني أسئلة مشروعة ينبغي على المسئولين الإجابة عنها قبل أن يوهمونا بمسألة التطوير والتغيير .إن المفارقة الكبرى التي نعيشها اليوم على مستوى التدريس المرتبط بالثقافة الإسلامية ليس فيما يقال حولها من اتهامات تارة نجدها متناقضة , وتارة أخرى صائبة , لكن المفارقة نجدها في تلك الأنشطة الدينية المتنوعة في المدارس التي يقف خلفها بالطبع معلمو التربية الدينية , ولست هنا في إطار الحكم أو التقييم , ولكن هناك ظواهر تربوية نجدها متناقضة مع بعضها البعض . لنأخذ بعض الصور كمثال : هناك النشرات المطبوعة في بعض الأحيان بطباعة فاخرة توزع على الطلاب والطالبات , ولكن عندما تتصفح المحتوى لا تجد سوى مجموعة من المواعظ المرتبطة بوحشة القبر وأهوال يوم القيامة .. ألخ ,أليس هذا ما يسبب الاضطراب النفسي والذهني لأبنائنا الطلبة ؟ أليس في هذا العمل المنفلت من كل رقابة نوع من التناقض مع ما يتم ترويجه في الإعلام الرسمي التربوي من إصلاح وتطوير؟mohmed_z@hotmail.com