محمد الحرز

محمد الحرز

لا أظن أننا بحاجة إلى دليل يثبت مدى الفوضى السياسية التي تعم الوطن العربي في مرحلته الراهنة. وهذه الفوضى نتلمسها في الملفات الساخنة التي يتم تداولها دوليا , والتعاطي معها بحذر لسبب بسيط يكمن في الآثار المترتبة على المنطقة من جراء أسلوب التعامل مع هذه الملفات. وعلى رأسها القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني ضد العدوان الإسرائيلي , ملف الأزمة اللبنانية , أزمة العنف المستشري في العراق الذي وصل إلى حدود الاقتتال الطائفي, ملف العلاقات السورية الدولية , ملف التسلح النووي الإيراني وأثره على العرب وعلاقاتهم الدولية , وأزمة دارفورد في السودان , ناهيك عن الجماعات الإسلامية المتطرفة التي شكلت بؤرها المنتشرة هنا وهناك ما يشبه آخر الحلقات المطبقة على مسيرة التطور في هذا الوطن العربي الكبير. هذه الصورة القاتمة حبلى بالصور الأكثر مأساوية التي سوف نشهد آثارها في العقود المقبلة , وليس في ذلك ما يدعو إلى التشاؤم , وإنما منطق الأحداث والتحولات الدولية تفرض علينا أن نسلم بذلك . إن ما يحدث في الوطن العربي اليوم من تطرف وعنف وطائفية وعداء وعدم فهم للآخر ليس سوى نتيجة لسنين عديدة من السياسات المتخلفة والعرجاء التي مارسها أصحاب القرار السياسي في تلك الدول . إن من أهم الآثار التي خلفتها هزيمة 67 والتي لا تزال آثارها ممتدة , وتنسحب على الحياة العربية إلى الآن , الخوف من الآخر كرهاب نفسي , والتشكيك فيه وفي نواياه , نجد هذا ينعكس في السلوك الثقافي والسياسي لأغلب الذين عاصروا تلك المرحلة من مثقفين وسياسيين على مختلف توجهاتهم ومشاربهم اليسارية واليمينية .. وهناك العديد من الأمثلة التي توضح وتشرح هذا السلوك السياسي الذي يطفو على السطح كنتيجة طبيعية لتلك الانتكاسات والإخفاقات التي شهدها العرب في أعوامهم السابقة , فالأزمة اللبنانية السورية لم تبدأ بالتمديد للحود أو باغتيال الحريري , وإنما هما الفتيل الذي أشعل المركب وأحرق السفن . لقد اعتملت الأسباب في الداخل ونضجت على نار هادئة , ومن أهمها الوصاية السورية على لبنان منذ دخول جيوشها بيروت إثر الاجتياح الإسرائيلي .. هذه الوصاية رغم ما قيل حولها من إيجابيات في وقتها , إلا أنها أفرزت آثارها السلبية الكبيرة , فمفهوم الوصاية هو من طبيعة استثنائية طارئة , وليس هو من المفاهيم الطبيعية التي ينبغي أن تحكم الأفراد فيما بينهم , ناهيك عن العلاقات بين الدول , والآثار السلبية لهذه الوصاية لا تتجلى أو تتضح إلا عبر أعوام عديدة هي العقود الثلاثة من عمر هذه الوصاية, لذلك لا يمكن تحويل الأنظار عن هذه المسببات لصالح تحليل آني للسياسة العربية باعتباره ( أي التحليل) عند بعض المحللين يرتكز على عوامل خارجية أثرت بصورة أو بأخرى على القرار السياسي , عوامل أكثر ما ارتبطت بالمرحلة الاستعمارية الكولونيالية , وتاليا بالمرحلة الإمبريالية التي تتزعمها أمريكا , وعند البعض الآخر على عوامل ذات طبيعة ثقافية ليست في الأغلب وثيقة الصلة بتلك المسببات , أي أن نشوء الإسلام السياسي على سبيل المثال عند أصحاب هؤلاء التحليل يرتكز بالدرجة الأولى على مفهوم التغريب , وتحت تأثير القول المأثور ( بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا..) انطلق هؤلاء بداية عند سيد قطب يؤسسون مفهوم العودة إلى الطهرانية في المرحلة الذهبية للإسلام , ويشترطونها كأساس للخروج من تلك الهزائم التي مني بها العالم العربي , لذلك جاءت مقولاتهم خلطا واضحا بين الدين والسياسة , وبعيدا عن تلك الأسباب الحقيقية التي صنعت تلك الأزمات وأدارتها الدول الكبرى باقتدار .. ولست هنا في صدد نقد وتحليل الخلل والتناقضات التي اتسمت بها خطابات هؤلاء سواء الدينية منها أو السياسية , ولكن ما أردنا توضيحه هو مدى التشويهات والانحرافات التي طالت فهم كيفية تشكل الكيان السياسي العربي وطرق صنع قراره ومؤثراته النفسية والثقافية والتاريخية التي أثرت فيه من العمق , ولا أظن أن الفهم ينطلق من خطابات تبريرية تلقي تبعية انهزامها وتخلفها على الآخرين , أليس في الذين انبروا يرفعون عقيرتهم ويدافعون عن شرفهم العربي المهان صدام حسين في المحاكم أكبر دليل على تلك النماذج التي لا تحمل في ذهنيتها سوى التبرير للأخطاء التاريخية السياسة الكبرى التي ارتكبت باسم الأمة العربية ومجتمعاتها ؟!. ولا أظن كذلك أن فهم هذا الكيان المعقد يمكن الكشف عنه من خلال ارتباطه بالتقارير السرية الاستخباراتية, ورغم أهمية هذا الارتباط الذي يعكس أو يدلل بطريقة أو بأخرى على مدى هشاشة صنع القرار السياسي في معظم الدول العربية , وعلى مدى ضعف وعيه السياسي في بنية التفكير, إلا أن الفهم الحقيقي يبدأ من التركيز على تلك الهزائم والأزمات باعتبارها تاريخا شاملا مترابط الحلقات وغير معزولة الأسباب والمسببات , بمعنى آخر لا يمكن كمثال اعتبار الصراع الدائر بين إيران من جهة والترويكا الأوروبية وأمريكا من جهة أخرى على التخصيب النووي هو في حدود مكونات هذه الأزمة , لكن المدى يتوسع ويتداخل إذا أخذنا في الاعتبار تاريخ الصراع السياسي الإقليمي والدولي لكل طرف , فسياسات الحرب الباردة وبوادر سقوط الاتحاد السوفيتي ومشروع توسيع الاتحاد الأوروبي , وكذلك سقوط الشاه وقيام الثورة الإسلامية ومشروع سياسة تصديرها إلى الخارج, والعلاقات العربية الإيرانية التي حكمتها مظاهر عدم الثقة تارة والخوف من الطموح الإيراني للهيمنة والسيطرة تارة أخرى, وتاليا حربا الخليج الأولى والثانية وآثارهما على سقوط بغداد, هذه الأحداث المتسارعة التي لم نجد لها مثيلا في الحقب السابقة في العلاقات الدولية , هي التي تتحكم في صنع القرار السياسي , وإذا كان العرب لم يكن لهم نصيب الأسد في تحريك خيوط مجرى هذه الأحداث , وبالتالي السيطرة على قرارهم السياسي , فإن الغرب السياسي كانت تدعم قراراته السياسية القوة العسكرية والاقتصادية والعلمية والمعرفية .. فالمؤثر المعرفي على سبيل المثال في أمريكا كان ينتج من مراكز البحوث والجامعات التي كانت تمول عن طريق وزارة الدفاع (البنتاغون) .. أما العرب فردة فعلهم على الأحداث هي التي تتحكم في قرارهم السياسي, ويجب أن نفرق هنا بين صنع القرار السياسي وصناعة السلطة, الأول نتيجة حتمية للأسباب التي يصنعها الثاني . الأول وثيق الصلة بالموقع والمكانة على الخارطة السياسية الدولية والرؤية إلى الآخر , أما الثاني فهو وثيق الصلة بالمشروع الديمقراطي الذي يسعى جاهدا إلى تفتيت بنية هذه الصناعة .. ومن صور ردة الفعل التي تؤثر على القرار السياسي حتى وإن كان تأثيرا غير مباشر , التصريح الذي أدلى به مؤخرا الرئيس حسني مبارك إلى قناة (العربية) حول ولاء الشيعة المطلق لإيران .. لماذا يدخل ضمن إطار ردود الفعل ؟ ليس لأنه غير موضوعي , هناك جزء من الحقيقة , لكن الأهم يكمن في المعادلة التالية: لا يمكن معرفة الحدود الفاصلة بين ما هو عقائدي وسياسي في فكرة الولاء نفسها , فالأول هو موقف وقناعة من الموروث قبل أن يتحول إلى موقف سياسي , أما الثاني فهو العكس تماما ( الفقرة تحتاج إلى توسيع أكثر لا يسعها المجال هنا) , ولا يمكن إلقاء تبعية الأول على الثاني والعكس بالعكس , ناهيك عن أن الشيعة لا يمكن وضعهم في سلة واحدة دون الفرز بين توجهات فرقهم المختلفة .. من هنا يحتاج القرار السياسي إلى فهم المجتمع العربي اعتمادا على مراكز بحوث كما الغرب .mohmed_z@hotmail.com