محمد الحرز

محمد الحرز

ما أشكال الثقافة في مجتمعنا السعودي ؟ وكيفية طرق تلقيها ؟ سؤالان هما من صميم الوظيفية الثقافية التي تبحث لها عن مكانة أو دور ترتقي به إلى مصاف دوائر التأثير على مسيرة المجتمع والفرد . وليس من شك في أن البحث عن هذه المكانة يتطلب من الباحث أو المثقف أن يكون أكثر شمولية وعمقا في نظرته , وكذلك في تحليله للأمور والمسائل والظواهر التي يراها جديرة بالمساءلة والفهم . هذه شروط تكاد تكون من البديهيات التي لا يمكن النقاش حولها.ولكن قبل الإجابة أود أن أوضح للقارئ أهمية هذين السؤالين ومبررات طرحهما كمنطلقين أو محورين للنقاش حيث يمكن من خلال الإجابة عنهما أن نبني أساسيات متينة لحوار مشترك داخل الثقافة نفسها , يضاف إلى ذلك أن مجتمعنا السعودي فيه من التنوع الثقافي الذي يرتكز على التاريخ والجغرافيا , وهو أمر في غاية الأهمية باعتباره تنوعا متأصلا في المجتمع وليس طارئا , فتاريخ شبه الجزيرة العربية يدل دلالة قاطعة على هذا التأصيل فالقبائل العربية وحركتها وعلاقتها بالأرض ظلت محكومة بتصوراتها الأسطورية عن الأرض من جهة , وعن قوة العمل الذي ارتبط بحياتهم اليومية من جهة أخرى ناهيك عن التراث الإسلامي المتنوع بمشاربه الثقافية من جميع الحضارات. وهذه إحدى السمات التي ميزت هذا المجتمع منذ القدم وإلى الآن . ولكن أي الثقافة التي نرمي إليها في هذا السؤال ؟ إنها الثقافة التي تفرز المواقف السياسية والتربوية والعقائدية والاقتصادية , وليست هذه المواقف سوى القناعات التي تتحكم في سلوكنا وتوجه تفكيرنا, ولكن لا يذهب الظن على أننا نعلي من شأن العامل الثقافي بوصفه العامل الأصل في التأثير وما دونه يأتي في المرتبة الثانية , هذا ليس صحيحا , ولا نؤمن بمقولة الأصل بالأساس, ما أردناه هو أن كل موقف من هذه المواقف ينطوي على صراع قيم, بعض هذه القيم نصنفها أو نصطلح على تسميتها بالثقافي وبعضها الآخر بالسياسي.. إلخ, وهكذا من خلال التحليل علينا مهمة إرجاع هذه المواقف إلى عواملها الأولية , أو قيمها التي جاءت منها , وسوف نختار جملة من المواقف باعتبارها تمثل أحد أشكال الثقافة التي يمارسها مجتمعنا المحلي في حياته اليومية .. ولنأخذ على سبيل المثال الموقف من التعليم . في هذا الإطار هناك مواقف متعددة بعضها متباين وبعضها الآخر متصالح , هناك المؤسسة الرسمية المتمثلة بوزارة التربية والتعليم , وكذلك مواقف رجال التربية الأكاديميون , ومواقف المثقفين والمثقفات ورجال الدين , وموقف الأسرة , وموقف الفرد العادي. إن خلف كل موقف من هذه المواقف يكمن تصور أو مفهوم معين عن التربية والتعليم قد يبتعد عن الموقف الآخر أو يقترب منه, ويتجلى ذلك أو يتضح في شكل التلقي .. فالتباين بين المواقف يرتكز على حقيقة مفادها أننا نتلقى المعرفة تحت وطأة الثقافة الموروثة أيا كانت القيم التي تحملها هذه الثقافة , فالوزارة موقفها من التعليم في سياق محكوم بعامل ثقافي وآخر سياسي , فالثقافي محكوم بالشريعة الإسلامية , والسياسي محكوم بالتوجه الرسمي للدولة , وهذه سمة طبيعية لكل مؤسسة رسمية , وهذا شكل من أشكال التلقي , ولكن هناك المجتمع له تصورات أخرى فدور العلاقات الاجتماعية كبير في ترسيخ قناعات معينة حول التعليم , فالأسرة لا تتخذ موقفها اعتمادا فقط على قناعة ثقافية ولكن هناك عوامل أخرى منها ما هو سياسي ومنها ما هو اقتصادي , وهكذا تتحلل المواقف .. يتضح لنا مقدار التداخل بينها فالتشعب سمة تحكم العلاقات بين المواقف التي تؤثر بصورة أو بأخرى على مجمل حياتنا اليومية. (2) أتساءل دائما في إطار الوعي الفكري الذي يأخذني إلى التأمل والتحليل : هل عندنا ثقافة فاعلة ؟ وإذا كانت كذلك ؟ فلماذا نفترض أنها من الهشاشة بمكان بحيث تخترقها ظواهر اجتماعية بارزة على السطح بشكل فاعل مثل ظاهرة تداول الأسهم في السوق من طرف شريحة واسعة من المجتمع السعودي , بل إذا ما قلنا إن الغالبية العظمى قد تحول إلى هذا النوع من الهوس بالأسهم؟. وهل يمكن اعتبار هذه الظاهرة التي بدأت تجارية , ومن ثم تحولت إلى ظاهرة اجتماعية بفعل التوجه المتزايد للسوق , كمؤشر على وجود أزمة على مستوى الثقافة ؟. لا أريد من هذه التساؤلات سوى خلخلة الافتراض الذي يقول بسلبية تفشي هذه الظاهرة على الثقافة المحلية , وكذلك بإيجابيتها إذا كان أحدهم يفترض ذلك . إذن انطلاقا من هذا التصور أجد أن الثقافة ليست ذات طبيعة محددة بسمات معينة , أي أننا أبناء هذا المجتمع متفقون على قيم هذه الثقافة وممارسون لها بطريقة واحدة , لكن هذا ألامر لا يمكن الركون إليه على الإطلاق , نحن بطبيعة الحال مختلفون على قدر نظرتنا إلى قيمنا التي نحملها, هل يمكن أن نتفق على النظرة إلى قيمة واحدة مثل قيمة الموت ؟ الجواب هو النفي . لذلك يظل مصطلح الثقافة المحلية الذي نتصوره هو عبارة عن انعكاس لثقافات متعددة تصل إلى حد التشظي حسب تشظي المساحة الجغرافية والذهنية للناس , فالمجتمع السعودي مجتمع فسيفساء , متعدد المرجعيات الثقافية , وهذه المرجعيات تتجاوز حدوده الجغرافية . هذا التوضيح ضروري في ظني قبل الحديث عن سمات ثقافة كما يفترضه السؤال وثيقة الصلة بظاهرة لعبة الأسهم التجارية , لأن اعتقادي يذهب إلى القول باستحالة ظهور ثقافة مصاحبة بإزاء الثقافة المحلية وكأن الواحدة تصارع الأخرى وتحاول أن تلغيها , أو تؤثر عليها بطريقة أو بأخرى . ما يحدث أو لنقل ما حدث هو نوع من الاستثمار لقيم الثقافة المحلية المتجذرة أصلا في حياتنا , هذا الاستثمار انعكس بصورة مباشرة على سلوك الفرد ووعيه وفهمه لسوق الأسهم , أي أن ما نسميه بثقافة الأسهم ليس سوى قيمنا الثقافية التي تربينا عليها وورثناها لكننا فقط أدخلناها في سياق مختلف هو سياق ثقافة الأسهم حسب المصطلح الرائج . خذ على سبيل المثال مفهوم الربح والخسارة في وعي الفرد الذي يستثمر أمواله في السوق . هل يمكن الادعاء أن هذا الفرد استطاع أن ينتج مفهوما مختلفا عن الربح والخسارة يمارسه كسلوك وكوعي ؟ أقول : لم نصل بعد إلى تأسيس مثل هذا المفهوم , والدليل هو أننا لا نحمل سمات المجتمع المدني أي مجتمع المؤسسات التي تصنع القرارات التي تحدد مسيرتنا في الحياة سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي والثقافي , لذلك تجد انتشار ظاهرة الفوضى والعشوائية والفردية والاضطراب والتردد والانغلاق كلها قيم تمثل جزءا لا يتجزأ من السمات التي ترتبط بثقافتنا المحلية , لكنها كما قلنا برزت في سياق هو سياق ثقافة سوق الأسهم . إذن لا يمكن فصل هذه الثقافة عن تلك مهما بدا ظاهريا خلاف ذلك , ولا يمكن النظر إلى الأثر الذي تفرضه الواحدة على الأخرى باعتباره مؤثرا سلبيا , ولكن ينبغي النظر إليه باعتباره إحدى السمات التكوينية لثقافتنا المحلية , وعلى هذا الأساس ينبغي التعامل معه , ومن ثم تحليله.mohmed_z@hotmail.com