محمد الحرز

محمد الحرز

استضاف برنامج (المقال) للأستاذ داوود الشريان على قناة دبي الفضائية الأسبوع الماضي الشاعر أدونيس , وقد تعددت المحاور التي تطرق لها هذا اللقاء بين أزمة الديمقراطية والحرية في الوطن العربي وبين علاقة النخب الثقافية والسياسية بالفكر والمجتمع والدين , وكذلك العلاقة الملتبسة بالغرب . وكان الإعداد للقاء تطلب جهدا مضاعفا حسب تعبير داوود نفسه بما يتناسب وحجم ومكانة أدونيس الأدبية والفكرية , والذي يبرر هذا الجهد هو طبيعة اللقاء المفارقة لطبيعة البرنامج بالأساس , فالبرنامج ذو توجه سياسي , وهذا التوجه يحدد نوعية الشخصيات التي تتم استضافتها , وكذلك طبيعة المحاور التي يتم نقاشها , وقد كان داوود متألقا في أغلب حلقاته حينما نشاهده وهو يثير الأسئلة ويطرحها على محاوره حول القضايا السياسية الراهنة في الوطن العربي, وتألقه يكمن كذلك في قدرته على الاقتصاد والمباشرة في الكلام وفي طرح السؤال وتأزيمه دون ثرثرة زائدة كما هي حالة أغلب مقدمي البرامج الثقافية والسياسية الذين يشبهون رجال السيرك الاستعراضيين , وهي حالة تضخمت واستحالت إلى نوع من الأمراض المستعصية التي أصيبت بها الثقافة العربية وإعلامها . هل بسبب فقدان شروط الحرية داخل هذه الثقافة , والتوظيف الإيديولوجي لإعلامها ؟ ربما تكون هذه أهم وأقوى الأسباب , ولكن لا يمكن أن نغفل شروط العولمة التقنية وسرعة انتشارها وتراكماتها التي لا تدع التفكير الإنساني يأخذ حصته من التأمل والبحث والتدقيق في كيفية التعامل مع هذا الانتشار التقني بأسلوب يكون مردوده أكثر إيجابية على المجتمع والثقافة وسياسات الدولة . قد تكون هذه الأزمة شاملة تصيب دول العالم النامي وشعوبه , ولكن حظ العرب كان أشد سوءا من غيرهم بسبب العوامل الجيوسياسية والحضارية التي وضعتهم في الزاوية الحرجة , فالمصادفة التاريخية وحدها جعلتهم في قلب الصراع والمواجهة بين حضارة غربية مدعومة بالقوة والمعرفة والتقنية وبين عالم عربي ما زال يتخبط في ظلام الغابة التي دخلها ولم يعرف كيف يخرج منها. وما زاد الطين بلة تفاقم الأزمات السياسية والتنموية في الوطن العربي وعلاقة ذلك بالوضع السياسي الدولي من جهة , وما واكب ذلك من انفتاح إعلامي فضائي عالمي من جهة أخرى , الأمر الذي أدى بفضائياتنا العربية التي ظهرت غالبيتها على خلفية هذه العوامل إلى التوظيف الإيديولوجي بامتياز . بالتأكيد هناك استثناءات تقف خارج الدائرة , ولا أريد الاستشهاد هنا بقناة واحدة بسبب أن ما أفترضه هو أنه في البدء جميع القنوات ليست بريئة حتى وإن زعمنا أن هذه الفضائية أكثر موضوعية من تلك , ربما يكون ذلك , ولكن ما يهمنا هنا في هذا التحليل هو أن شروط ميلاد هذه الفضائيات وإعلامها المتفرع منها تكاد تكون متشابهة إلى حد ما . وهذا أمر وارد وفق منطق التداعيات التي شهدها العالم العربي والإسلامي من حرب واحتلال وعنف وتسلط وفقر . وما أقصده هنا بهذا التوظيف هو أنها ليست حرة بالدرجة الأولى حتى وإن ادعت الحيادية , ويجب أن نرفع الالتباس هنا , ربما يكون النموذج الإعلامي الغربي المقياس والمعيار في نظرتنا تلك , وهو صحيح على كل حال بسبب السياق الديمقراطي الاجتماعي الذي برز فيه هذا الإعلام , ولكن حتى لو تجاهلنا هذا المقياس فإن ما يدعم وجهة نظرنا من جهة ثانية هو حالة الإرباك التي تصيب إعلامنا العربي في طريقة التعامل مع منعطف الأزمات السياسية التي تعصف بالعالم العربي , وهي حالة تتمثل في الهروب إلى الماضي وتمجيده عند بعض الفضائيات , وترسيخ ما هو سائد من تخلف وتسلط وتهميش لقيمة الإنسان عند البعض الآخر , وتقليد وتقليعات مستوردة عند بقية الفضائيات الأخرى . هكذا يجري التعامل مع العولمة التقنية . ولكن ما علاقة هذا الكلام بما صدرنا به المقالة عن برنامج " المقال " ؟ قد يبدو هذا غريبا عند القارئ بعض الشيء, ولكن تذهب قناعتي الفكرية إلى أن القراءة الشاملة والتحليل المبني على الرؤية إلى مجمل السياق ذات الصلة بالموضوع هي مطلب ضروري كشرط للخروج من أسر الأفكار المستهلكة التي أتخمت بها الثقافة العربية , والخروج كذلك من النظرة الاختزالية للعالم التي لا تدرك كيف يكون التنوع في الوحدة والوحدة في التنوع . بحيث ترتكز على الفصل بين الأحداث والمواقف في قراءتها للتاريخ أي الفصل بين الزمن الماضي والحاضر والمستقبل فصلا يكاد يكون تشويها وحجبا أكثر مما هو إضاءة وتنويرا . وبرنامج (المقال) هو في ذات السياق التي تشمله نظرتنا بالتحليل للخروج من أسر هذه الأفكار . ولكن ما دعاني للحديث عن هذه الحلقة بالذات هو الأسباب التالية : أولا:استضافة أدونيس لم تأت في سياق التوجه السياسي الذي اعتاد عليه البرنامج , لأن طبيعة أدونيس الفكرية لا تتوافق والبرنامج , فهو لا يمارس التحليل السياسي وفق مجرى الأحداث وتحولاتها السريعة , أي التحليل السياسي الآني - إذا جازت العبارة - لكنه ذو منظور فكري يعمق رؤيته للثقافة والاجتماع والسياسة من خلال الأدب والموروث والمعرفة بينما البرنامج في طابعه العام يناقش - كما يقال - قضايا الساعة . وهذا ما أدى - ثانيا - حسب ظني إلى أن يكون حوار هذه الحلقة لا يثير شهية المشاهد , فالأسئلة التي طرحت على أدونيس لم تتعمق بما يكفي من خلال جدل الحوار المفترض , فقد ظل يلامس السطوح دون الغوص في تفاصيل المحور ذاته . خذ مثلا المحور الذي تحدثا فيه حول مستقبل الدين وعلاقته بالمجتمعات العربية . لقد ظل أدونيس من جهته يعيد على مسامعنا مقولة الحل التي تكمن في فصل الدين عن الدولة , ورغم وجاهتها , إلا أننا لا يمكن أن نستسلم لنظرة اختزالية إلى إشكالاتنا الراهنة والمعقدة , وكأننا بهذه المقولة شخصنا مكمن الداء العربي بعد أن جهدنا أنفسنا ونقبنا عن تراثنا بأدق تفاصيله ونفضنا الغبار عن مخطوطاته الدفينة في المكتبات , ومن ثم خرجنا بهذه المقولة كنتيجة لهذا البحث والتنقيب, وما على أهل النخب السياسية والمثقفة سوى البدء في الشروع لعلاج هذا الداء . هذا نوع من الكسل المعرفي , وكذلك نوع من التسطيح في النظرة إلى التاريخ العربي بوصفه استمرار تدفق الحاضر في الماضي والماضي في المستقبل , ولا يمكن أن نركن إلى مثل هذه المقولات التي تؤدي بالباحثين إلى الاطمئنان واليقين المعرفي . ثالثا : لقد حاول داوود الشريان أن يجر أدونيس إلى الحديث عن الوضع السياسي الآني , لكنه لم يستطع, وذلك حينما طرح عليه رأيه في تسلم حركة حماس السلطة في فلسطين , ولكن كان رد أدونيس أشبه ما يكون ردا مكثفا كطبيعة أدونيس نفسه فهو "ضد الدولة الدينية" حتى وإن تشكلت عن طريق لعبة الانتخابات. بالتأكيد نحن في موقف ضد الدولة الدينية , ولكن ما شروطنا ومبرراتنا لاتخاذ مثل هذا الموقف , كان على داوود أن يوسع من الجدل حول هذه النقطة , لأنها من الأهمية بمكان بحيث تضيء المواقف الفكرية للمثقفين- خصوصا مثل أدونيس كشخصية جدلية- في وقت نحن بأمس الحاجة إلى مثل هذه الإضاءات التي تستطيع الكشف عن أدق التفاصيل في الموقف من قضايانا الكبرى والمصيرية . كذلك هناك نقاط عديدة- لا يسعنا تعدادها- جاءت في اللقاء جعلت من داوود مستمعا أمام أدونيس أكثر منه محاورا ومجادلا.mohmed_z@hotmail.com