محمد الحرز
هناك مقولة مفادها أن الوعي النقدي العربي الراهن هو مُنتج لغوي شكلاني , بمعنى أن مجمل الممارسات النقدية لم تدفع وعيها باتجاه تمثّل المقولات الإنسانية , بوصفها مقولات لا تكشف عن المفردات الجمالية للنص فحسب , وإنما تذهب إلى العمق , إلى فعل التعرية ضد كل ما هو هش وقابل للكسر في الحياة العربية , بدءا من الكائن الإنساني في حراكه الاجتماعي والثقافي , وانتهاء بخطابه المتعالي على الواقع والتاريخ.ولسنا نعني بتلك المقولات سوى ما تتسم به من ( نزعة الأنسنة ) على حدّ تعبير أركون , في تراثنا العربي الإسلامي إذ تحولت إلى مقولات مكبوتة ومهمشة , بحيث لم يسجل لنا التاريخ الفكري , أنها تربعت على قمة هرم النظرية المعرفية , وكذلك لم يسجل لنا أنها استطاعت أن تندمج في كبرى المنهجيات الفلسفية والأدبية والجمالية, إلا استثناءات متفرقة , لم ترق إلى رؤية متكاملة في المنهج والتطبيق , بل الأهم أنها لم تؤسس قارئا تواصليا , يكون بمثابة النهر المتدفق من قلب التراث , والذي يصب معرفيا وثقافيا , في حاضرنا العربي الراهن .ربما تفضي بنا هذه الفرضية, إلى جملة من الاعتراضات والتساؤلات, نسوقها كما يلي:أولا: لم يكن الخطاب النقدي العربي بمعزل عن تلك المقولات , ولا أدلّ على ذلك , مما نراه من محاولات جادة , فرضتها بعض المشاريع الفكرية والأدبية والاجتماعية , على ثقافتنا العربية , كي تحقق للإنسان العربي قيمته وكرامته المسلوبة منه.ثانيا: وفّرت الحداثة الغربية , بنزعتها الإنسانية , فرصة عظيمة للخطاب النقدي العربي , وذلك حينما أطّلع على مقولاتها وقيمها وتصوراتها, ومن ثمّ قام بتوظيفها , لمصلحة إنسانية الإنسان , في فضائه الاجتماعي والثقافي والسياسي .ثالثا: ليس الوعي النقدي العربي , بمثابة دائرة مغلقة على نفسها , مكتفية بذاتها , لا تسمح لنفسها بالتوسع من الداخل , أو الإضافة إليها من الخارج ,أو تكون ذات طبيعة تكاملية امتلائية , حتى يمكن أن نصدر إزاءها حكما قيميا قاطعا.إنه وعي مفتوح على السيرورة والتشكل , ومازال كذلك , ولم يتصالح خطابنا مع وعيه , بحيث يقطع صلته بالتأسيس والبدايات , بل العكس هو الذي يمكن أن يقال .فكيف نذهب - إذن - إلى أن وعينا النقدي هو مُنتج لغوي شكلاني !؟ وإذا افترضنا أنه كذلك ! ألا يمكن اعتبار أن كل وعي ,هو مُنتج لغوي بالضرورة !! , ثم ماذا عن ( شكلاني ) ؟ ألا يمكن اعتبارها مجرد صفة انزياحية , لا ترتبط عضويا بمكونات الوعي النقدي , بقدر ارتباطها بالأسلوب اللغوي المعرفي الذي يكون عليه شكل الخطاب النقدي, يضاف إلى ذلك ان الوعي النقدي العربي , في جانبه الأدبي والجمالي , أكثر إرباكا وتفككا ,لأسباب متعددة - مقارنة بجانبه الفكري والفلسفي , وما مغزى ذلك , سوى ما يهيمن على الثقافة العربية , من صراع إيديولوجي , ليس على سلطة المعرفة فقط , وإنما على احتكارية الإنسان في مجال التاريخ واللغة والاجتماع والفن .إذن بالنتيجة لا يمكن أن نأتي ونقول : إن الوعي النقدي العربي هو منتج لغوي شكلاني, وذلك في اختزالية يوحي معناها بالقطيعة والابتعاد عن تأثير الإشكاليات الأخرى , المأزوم بها خطابنا الثقافي النقدي, وبالتالي لا يمكن أن نقبل بأحكام قيمية في هذا الجانب بالذات.بالتأكيد مجمل هذه الاعتراضات السابقة, تفضي بنا إلى تبني تحليل وتفكيك ما يتصل حول مفاهيمنا من إشكاليات, مفترضين أن الخطاب النقدي العربي, لم يمارس حفرا أركيولوجيا على وعيه , بغية التأسيس ومحاولة للفهم , وليس ما نعنيه بالحفر, تلك المجهودات النقدية, التي تنتمي إلى ذوات إنسانية مثقفة فقط , وإنما تلك المجهودات النقدية التي تنتمي إلى الحفر المؤسساتي على الوعي الثقافي والديني والاجتماعي والسياسي , مما يجعل مقاربتنا حذرة بعض الشيء. هذا النوع من المجهودات النقدية لم ينفرز في الساحة عندنا فالنص النقدي في مشهدنا السعودي لم يتم الكشف عن وعيه , وعن مكوناته البنيوية , وما يحمله من قيم ومفاهيم , ترتد إلى الإطار العام لنسقنا الثقافي , خصوصا ما يتصل بالجانب الأدبي منه .ولا يتم فعل الكشف , باستدعاء هذا الوعي , وتثبيته تحت رؤية تحليلية متخشبة, وإنما يتم بالذهاب إلى النص النقدي , في لحظة اشتباكه بالنص الإبداعي , وهذا يعني - على الأقل بالنسبة لنا - الشيء الكثير, فهو يعني في جملة ما يعنيه, أن مفردات الوعي النقدي , ليست محصلة ونتيجة لاشتغالات وممارسات نقدية على النص الإبداعي فقط , وإنما يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك , يذهب إلى الافتراض , أن التعالق النصي , ينتج وعيا مشتركا- حسب علاقة الأنا بالغيرية عند موريس بلانشو- الأمر الذي يقودنا إلى الكشف عن سمات مشتركة , وكذلك عن سمات مفارقة, ضمن علاقة تضادية تارة , وتصالحية تارة أخرى.وإذا كنا نرتكز على النص النقدي المحلي , فإنه لا ينبغي أن نغفل مرجعياته المعرفية عربيا وغربيا, وذلك بالقدر الذي يكون فيه منسوب الوعي النقدي متأثرا بهذا أو ذاك. إنها محاولة تهدف إلى فهم الواقع الثقافي , من خلال ما يفرضه النص النقدي ( قلنا بالنص ولم نقل بالخطاب , وذلك لاعتبارات منهجية أولا, ومعرفية ثانيا) في ساحتنا, من مقولات , معوقة أبستمولوجيا , أوجدتها عوامل مختلفة , منها ما ينتمي إلى تاريخ السلطة اللغوية للنص النقدي نفسه , ومنها ما ينتمي إلى الذات المتثاقفة في سلوكها الواقعي , على اعتبار أنها ذوات تمثل ( متواليات سردية) كما يقول سعيد الغانمي, لا يمكن فكاكها من تأثيرات النص على المستوى النفسي العميق للذات , في سياقها الاجتماعي. بالطبع ينبغي أن نجادل نصوصا نقدية لها مناظير مختلفة في الرؤى والنهج , إضافة إلى ما تنتجه من آراء حول التجارب الإبداعية التي تتناولها مباشرة , متكئين على قناعة ارتكازية هي أننا لا يمكن أن نؤسس قارئا مختلفا , ولا كتابة مختلفة , ولا فعلا سلوكيا ثقافيا مختلفا , قبل أن نقوم بفضح كل ما يتصل بوعينا الوجودي من مقولات وسلوكيات , وتعريتها على جميع المستويات , وليس الوعي النقدي , سوى حلقة من وعينا الوجودي المؤجل حضوره , كما لو أنه معلق في سقف غرفة مظلمة, بالكاد نحن نسعى في هذا الطريق , كي نشعل ولو قنديلا واحدا , محاولين الوصول إلى حياة أفضل.mohmed_z@hotmail.com