حسن السبع

من مصباح الدهن أو الشحم إلى مصباح الغاز

من مصباح الدهن أو الشحم إلى مصباح الغاز، ومن المصباح الحجري إلى مصباح النيون، ومن مصباح الفيلسوف اليوناني ديوجين إلى مصباح علاء الدين. لكل مصباح من تلك المصابيح حكاية، ولكل حكاية دلالة خاصة. قد يبدو مصباح الفيلسوف ديوجين أكثر واقعية ووضوحا من مصباح علاء الدين السحري. فهذا المصباح الأخير أميل إلى الحلم والفنتازيا، وأقرب إلى روح الأسطورة من نظيره.خرج ديوجين في القرن الثالث قبل الميلاد حاملا مصباحه في وضح النهار باحثا عن (رجل).. ويبدو لي أن بعض المترجمين ممن اعتمد النقل عن اللغة الإنجليزية لم يحسن الترجمة، فقد كان ديوجين يبحث عن (إنسان) لأن كلمة a man تقابلها في هذا السياق كلمة (إنسان) سواء كان رجلا أم امرأة. وقد أجاد أدونيس القول حين عبر عن ذلك في قصيدته (المصباح) على النحو التالي: (يحملُ في رابعةِ النهار مصباحَه يبحث عن إنسان.. لا رمل في عينيه). أصبح مصباح ديوجين، بعد ذلك، رمزا للحكمة والبحث عن الحقيقة، وسيظل البحث عن تلك الضالة قائما حتى آخر ديوجين وآخر مصباح على هذه الأرض. لكن مصباح علاء الدين الحالم لا يقل أهمية عن مصباح ديوجين.. فكثيرة هي المشاريع التي تبدأ توقا أو حلما أو فكرة عصية على التطبيق لكنها سرعان ما تتحول إلى واقع. نحن بحاجة، أحيانا، إلى ذلك المصباح الحالم لنشعل روح المغامرة الخلاَّقة المنتجة، لنتفوق على أنفسنا ونهزم ما نعتقد أنه المستحيل. كان ديوجين بسيطا وواضحا كمصباحه. لم يكن يطلب أكثر من شمس وعزلة وهدوء. ولم أكن أطلب، ذات يوم، أكثر من مصباح قراءة أو كما قال البائع القادم من كيرالا: مصباح طاولة. سُمع ديوجين مرة ينادي: من يشتري له سيدا؟ ويا للدلالة الذكية التي يختزنها ذلك النداء، والتي يتحول فيها المسود إلى سيد. وكما فعل ديوجين .. نزلتُ إلى السوق أنادي ولكن في سري: من يبيعني مصباحا للقراءة. كان ديوجين يحمل مصباحه باحثا عن إنسان.. أما أنا فقد كنت إنسانا يبحث عن مصباح. وقد توهمت أنني سوف أعثر عليه في سهولة العثور على الرغيف أو جهاز تليفون نقال. لكن يبدو أنني كنت محتاجا لمصباح علاء الدين، كي أحكه فيخرج لي مارد مثقف ليقول: (شبيك لبيك.. اطلب أنا بين يديك).. ولأسأله أولا: عن معنى شبيك؟ فكلمة (لبيك) معروفة، لكني لم أعثر على معنى لـ (شبيك) سوى أنه نبت أصله وورقه مثل نبات الزعفران. أجل.. كنت بحاجة إلى ذلك المارد لأسأله أن يدلني على متجر يبيع مصباحا للقراءة، غير (الأباجورة) أو النَّواسة التي تتوافر حتى في البقالات. لو كان مصباح القراءة بأهمية النوَّاسة لوجدته في متناول اليد. لكن يبدو أن للنوم أهمية كبيرة. يشاركنا مصباح القراءة حزن اليقظة وفرحها. يشاركنا متعة القراءة، ونشوة الكتابة. أما النوَّاسة فتسهر على هامش غيابنا.. فماذا تفعل النَّواسة في غرف النوم؟ هل هي هناك لتشرح طلاسم العلاقات البشرية، أم لتحارب العتمة والوحشة؟ أم لتكون شاهدة على الأحلام؟ الأحلام التي نبوح بها أحيانا، ولا نفصح عنها أحيانا أخرى خشية أن نحاسب عليها. انقضى العمر الافتراضي لمشكاة مصباح القراءة، وحين بحثت عنها في السوق لم أعثر لها على أثر. يبدو أننا بحاجة دائما إلى أن نحسب حساب المستقبل، فنؤمّن قطع غيار سلفا لأية آلة منزلية نبتاعها لتبقى تلك القطع في متناول أيدينا طيلة عمر الآلة الافتراضي. فإذا كانت المحلات تغير تخصصاتها وواجهاتها بسرعة حيث لا يوجد أي التزام تجاه المستهلك فما بالك بقطع الغيار؟ إن الغسالة والنشافة والفرن وغيرها تحال إلى المعاش من أجل قطعة غيار صغيرة. وكنت أريد أن أعرض هذه المشكلة هنا على أية جهة تعنى بحماية المستهلك كونها تختص بالمتابعة المستمرة للأسواق لملاحظة مدى الالتزام بالجودة والأسعار والضمان وتوافر قطع الغيار، والالتزام الأخير، المتعلق بقطع الغيار هو بيت القصيد فيما يخصني. لكني انتهيت متأملا العلاقة التي تربطنا بمصباح القراءة ومصباح النوم. على نفسها جنت براقش! ذلك أنني لم أستفد من تجاربي السابقة في البحث عن مصابيح القراءة التي تغير ماركاتها بسرعة مذهلة. وهذه ليست المرة الأولى التي أذرع فيها السوق بحثا عن قطعة غيار صغيرة لم أحتفظ بما يكفي منها للبقية الباقية من العمر، عمري أو عمر الآلة الافتراضي. لكنني، وبقية بني قومي، صدقنا قول الشاعر: (فتمتَّع بالصبحِ مادمتَ فيه.. لا تخف أن يزولَ حتى يزولا)! وللأصدقاء الطيبين من عمال النظافة أقول: لقد أحلتُ مصباح القراءة إلى المعاش وهو في ريعان الشباب لما ذكرته سابقا من أسباب. وهو كأي موظف يحال إلى التقاعد وما زال فيه شعلة من النشاط والعطاء. وليعلموا، كذلك، أن هذا المصباح الذي سيأخذونه إلى مجمع النفايات العام قد نادمني في كتابة قصائدي ومقالاتي. وما زلت أذكر المصباح الذي رافق قصائد ديواني الأول.. كان يسهر معي الليل كله أحيانا. وكان يشاركني أرق اليقظة، ويقاسمني اللحظات الممزوجة بقليل من الأسى وقليل من الفرح، ليولد من ذلك المزيج العجيب نصا يشبهني. ولعله قد أوحى لي بعنوان ديواني الأول (زيتها وسهر القناديل). لقد كان العنوان بمثابة إهداء للمصباح الصبور الذي أرَّقته وأتعبته كي تورقَ تلك القصائد. مصباح القراءة جميل ومشع لا ينطفئ ما دمت مشتعلا، ولا يتثاءب ما دمت متقدا. شبه طرفة بن العبد أصحابه بالنجوم.. ولو أدرك عصر المصابيح النيون لاختلف المشبَّه به ولم يختلف وجه الشبه، ولما فات على طرفة بن العبد أن يتذكر، وهو يكتب قصيدته على ضوء مصباح الكتابة، توماس أديسون، ذلك الرجل الذي راح يجرب ويفشل، ويجرب ويفشل.. حتى أدركته لحظة النجاح فأضاء بنجاحه عالمنا، وجعل المصباح الكهربائي في متناول كل الناس. لماذا لا نتذكر ونحن نستمتع بكل تلك الأشكال غير التقليدية من المصابيح، وبكل تلك الإنجازات التي وصل إليها علم الإضاءة، ذلك الرجل وغيره من عشاق الضوء؛ الضوء المادي الذي يمثله المصباح والضوء الفكري المتمثل بالكلمة الذكية. قال أديسون بعد عشرة آلاف تجربة فاشلة: (أنا لم أفشل.. بل اكتشفت عشرة آلاف طريقة لا تؤدي إلى الهدف المطلوب). أما أنا فقد اكتشفت أكثر من عشر طرق لا تؤدي إلى العثور بسهولة على مصباح القراءة في أسواقنا. أو على الأقل في أسواق المدينة التي أسكن فيها.hsn_saba@hotmail.com