محمد الحرز

محمد الحرز

سوف تدور مقالة هذا الأسبوع حول محورين، كانت بالأساس أسئلة طرحها بعض الأصدقاء، وكان النقاش حولها مثيرا للاهتمام. الأول منهما هو شكل الأسلوب الروائي وعلاقته بالنشر في الصحف ، وانعكاسات هذه العلاقة على الأعمال الإبداعية من جهة ، وعلى الساحة الأدبية والثقافية من جهة أخرى ، فإني أعتقد أن التجربة في حد ذاتها مثيرة للاهتمام ، وقادرة على أن تقوم بأدوار كبرى في تحرير العمل الإبداعي الروائي من سلطة الكتاب بوصفه تجنيسا ، أي أن الرواية عندما تأخذ شكل الكتاب فإننا نفترض بالتأكيد مجموعة من القراء المرتبطين بالتقاليد العريقة التي تحتويها العلاقة بين القارئ والكتاب . بالطبع ليست هذه السلطة مذمومة على كل حال ، إنما ما نريد أن نشير إليه هو أهمية أن يكون في ساحتنا الثقافية والأدبية نوع من الحراك الذي يفضي إلى تعدد الرؤى والتصورات حول العمل الروائي نفسه ، وذلك بالتأكيد من التركيز على تنوع مصادر النشر ، ومن أهم هذه المصادر بالطبع تقليد نشر الرواية في الصحف على شكل حلقات أو أجزاء كما فعل الروائي عبده خال في تجربته مع جريدة (عكاظ) كما أشرت في سؤالك إن استقبال العمل الروائي من طرف شريحة من القراء عبر مجلة أو صحيفة يشكل رغبة حقيقية في التواصل ، ويعكس كذلك الهاجس الكبير الذي يمثله القارئ بمرجعياته الثقافية المختلفة داخل كل عمل روائي يترصد هذا المنحى من الأسلوب . الأمر الذي في تقديري جاء من صالح العملية الإبداعية ككل . فعنصر المسؤولية المرتبط بقضايا الواقع الذي يعيشه المجتمع والإنسان هو الجوهر أو العمق الذي يدفع باتجاه هذا الأسلوب في النشر . وما أعنيه هنا بعنصر المسؤولية بالتحديد هو استشعار العمل الروائي بضرورة وجود قارئ يتقاسم معه الهموم والإشكاليات والقضايا التي تطرحها الرواية في جميع المجالات بغض النظر عن شكلها الفني والتقني ، وكذلك عن انتمائها لهذا الكاتب أو ذاك ، وبالتالي هذا يشكل في ظني دلالة كبرى في تعزيز موقعية الرواية في ذهنية المتلقي العادي باعتبار أن هذه الذهنـية لم تـزل محكـومة نسـبيا - ولو أننا شهدنا في الآونة الأخـيرة انفـتاحا يعـادل سنـين طـويلة من الانغـلاق علـى مفـهوم محـدد للأدب باعتباره مجرد ممـارسات شعـرية لا تخلو من النفعية البعيدة كل البعد عن المنفعة الجمالية - بتقاليد وتصورات تعتبر النشر الأدبي في الصحف من باب الكماليات ، أو مجرد ديكور خال من المعنى العميق للحياة ، وكذلك للقضايا الكبرى التي تؤرق المجتمع نفسه. لقد عرف الأدب الروائي الروسي والانجليزي والفرنسي بالتحديد في مطالع القرن الثامن عشر هذا النوع من الأسلوب في نشر العمل الروائي في الصحف ، بل لم يتم التعرف على الأدب الروائي الكلاسيكي الأوروبي ، وأسماء رواده الكبار إلا عبر فاعلية الصحافة وآليتها في تدعيم روابط هذا الأدب مع أجيال متعاقبة حملت هذا الأدب على عاتقها وأضاءت جوانبه وسماته الفنية ، ولم يتم ذلك سوى عبر الحوار والجدل المدعوم بتوجهات وتقاليد صحفية ليست بيروقراطية وإنما حرة ، ليست ذات نظرة أحادية أيديولوجية ، وإنما تعددية تؤمن بقيمة الإنسان والإنسان فقط . وعندما أقول هذا الكلام أعرف تماما حجم الإعلام الذي يعيشه العالم العربي ناهيك عن إعلامنا المحلي الذي في أحسن أحواله ما زال يتلمس طريقه في المتاهة . لعل صورة العلاقة بين الأدب والصحافة تأخذ طريقها في التحسن والتطور حينما يبادر الروائيون في المساهمة الفعالة في التفكير الجدي في نشر أعمالهم الروائية بطرق أكثر ابتكارا وأكثر تقنية وتطورا كما هو الحال مع عبده خال على الأقل. (2)ثاني المحورين يرتكز على سؤال المسافة الذي ننظر له كرؤية تأملية فلسفية تجعلنا نفهم تجربتنا الإبداعية ، خصوصا المسافة الزمنية والنفسية والثقافية واللغوية بين كل عمل وآخر داخل التجربة نفسها ، هذا النوع من الأسئلة يثير في المخيلة والتفكير، وسوف أجيب من خلال مفهومي للمسافة عبر تجربتي الشعرية. المسافة عندي هي محاولة نزوع إلى المطابقة بين الواقع والحقيقة ، الحياة ووهم الحياة ، الفعل والكلمة ، الحلم وضياعه في القصيدة والجسد وآلامه في الكتابة . المسافة نوع من المجاز يعبر التجربتين ، ولا أخاله يسكن دمي لمجرد العبور بينهما ، أو لمجرد القول : كل تجربة تنمو شعريا بالمسافة . كلا ،ليس هذا هو منظوري الذي أشيد به المسافة بين التجربتين ، ثمة ما هو أعمق من ذلك . إن العمق في أغلب الأحيان يلغي المسافة ، جربء أن تنظر إلى قعر هاوية ، لن تشعر بالمسافة ، الخوف يكبته تماما ، ستحس فقط بالفراغ ،وكأنه تحول إلى مجرد صوت خفيض يأتيك من أعماق الحياة التي تسكنك . لكنّ الدخول في متاهة الإبداع لا يعكس هذا الإلغاء ، بل يفتح ممراته على الأبواب الصدئة التي بلا عتبات ، ويأخذه إلى حقول التنوع والثراء في كل تجربة على حدة. ولم يكن الدخول إلى التجربة الأولى (رجل يشبهني) من باب المتاهة ذاتها يأتي كدليل على صحة هذا الإدعاء ، ولكن من تقاليد تجربة البدايات الانغماس في فضاء الشعر دون بوصلة تقودك إلى أعماق الشعر نفسه ، ربما هنا لا تشعر بالمسافة قدر شعورك بالرغبة الجامحة للكلمات التي تتجاوز جسدك كي تأخذ مكانها في إحدى الصور الشعرية التي تنتجها قصيدتك . هنا نوع من المعضلة الإبداعية التي تنقذف في وجه الشعراء الصاعدين إلى القمة كصخور شديدة القساوة والصلابة ، بعض الشعراء يستسلم لها دون أي مقاومة ، فيأتي شعره باهتا خاليا من العمق والحركة ، وبعضهم الآخر يشعل المسافة بالحركة والروغان ، وكأنه في سباق ضد الزمن وضد المكان وضد الرغبة البيولوجية للجسد في الخوف والرهبة . هذا أحد القوانين المهمة التي يعبرها الشعراء . كنت متيقنا من خطورة هذه القوانين عندما شرعت في تجربتي الأخرى (أخف من الريش أعمق من الألم) ، لقد حاولت إزاحة الصخور الكثيرة التي اعترضت طريقي ، وكان حماس هذه المحاولة وفرحها في نفس الوقت ينبع من معرفتي بأنني على الطريق الصحيح إلى الشعر ، وليس معنى هذا أن حقيقته باتت في قبضة يدي ، لكن البوصلة التي اعتمدت عليها كانت في حالة جيدة وعملها في غاية الروعة والنشاط . هكذا هي المسافة بين التجربتين : واحدة تشبهني ، والأخرى تشبه الشعر ، وما بينهما هو النسب العضوي لأشياء نسميها مجرد كلمات .mohmed_z@hotmail.com