محمد الحرز
لماذا ينبغي علينا دائما أن نضع المثقف ورجل الدين في ثنائية متضادة وكأنهما من عالمين مختلفين لا يمكن أن يلتقيا أبدا ؟! هل ورثنا هذه الثنائية من خلال الموروث الذي جاءنا من عصر ما يسمى الإصلاح والنهضة أم أنها من مكتسبات الثقافة الغربية خصوصا في مرحلة الصراع بين الكنيسة والمثقف؟! لا أريد في هذه المقالة الدخول في مقارنات تاريخية , لكني سأبدأ من واقعنا الاجتماعي المحلي بالملاحظة التالية:كثيرا ما أسمع بأسئلة تقول إن هناك أزمة وصراعا بين المثقف ورجل الدين سواء من الأصدقاء أو من بعض الكتاب أو الصحفيين الذين يملأون تحقيقاتهم بمثل هذه الأوهام . لذا هذا النوع من الأسئلة أقرب ما تكون إلى الاتهامات منها إلى التحقيق , فالتحقيق الصحفي على العموم يتسم بالموضوعية في طرح أي قضية قابلة للنقاش , والأسئلة ينبغي أن تتحرى الدقة سواء على مستوى الصياغة أو في إصدار الأحكام . ناهيك عن الوهم الكبير الذي عادة ما يأتي تحت عنوان "الصراع بين المثقفين ورجال الدين " , والذي من أسبابه الاعتقاد بوجود صراع بينهما يصل إلى حد القطيعة والعداء . إنها فكرة مغلوطة بالأساس , فمن يضع نصب عينيه واقعنا الاجتماعي المحلي يجد أن ما يسمى الصراع لا يرتقي إلى مستوى الظاهرة اللافتة للنظر , والتي تحتاج من أبناء هذا المجتمع إلى مراجعات للمواقف والمسؤوليات التي عادة ما تحتاجها مثل هذه الظواهر في حالة حدوثها , أما والحالة غير موجودة على الإطلاق , فمن السابق لأوانه تبني قضايا داخل مجتمعنا لم تصل بعد إلى درجة من الصراع كما يتوهم البعض . إن اختلاف الآراء والأفكار سنة طبيعية عند البشر , هذه قاعدة تجري على الناس مجرى الماء في النهر , منذ فجر التاريخ والناس تحمل في داخلها روح الاختلاف , ولا يمكن أن نحيد عن هذا الطريق قيد أنملة . انطلاقا من هذه القاعدة لا يوجد في مجتمعنا_ نوعا ما_ سوى مجرد اختلاف في الآراء والأفكار والتوجهات, وأقول نوعا ما لأني أعتقد أن هذه الاختلافات في الآراء لم يرق أصحابها ليشكلوا على سبيل المثال تيارا واضحا بعينه , يؤثر على أفكار الناس , ناهيك عن سلوكهم . وذلك بسبب ضعف التوجه الثقافي والفكري , وما أعنيه بهذا الضعف هو أننا لا نولي أهمية كبرى في تطوير حياتنا الثقافية , هذه الحياة التي تشمل الدين والمعتقد والمجتمع والتاريخ والسياسة , أي لم تسع الطبقات المؤثرة في المجتمع , وعلى رأسها طبقة رجال الأعمال وكذلك رجال الدين والمثقفون الأكاديميون , وطبقة رجال التعليم من الجنسين , لم تسع إلى تنظيم نفسها بحيث تقوم بأدوار فاعلة, وهي كثيرة ولكن لسنا هنا بصدد الحديث عنها . ولكن رغم هذه المعوقات التي تطال مجتمعنا , الا أني أظن أن الوضع الحالي يشير إلى وجود حراك اجتماعي يعود بالفائدة على المجتمع نفسه , وذلك في مسيرته المستقبلية . ويعود كذلك بالفائدة على الجيل الصاعد من خيرة أبناء هذا المجتمع , فالتنوع الفكري والثقافي والاختلاف في الآراء والتوجهات كفيل إذا ما حاولنا أن ننمي هذا التنوع , ونتبناه من خلال الحوار الجاد والموضوعية في الطرح , واحترام الاختلاف في الرأي , وكذلك احترام حرية الشخوص في تبنيهم الآراء والأفكار , بفتح المستقبل على جميع الاحتمالات التي هي وثيقة الصلة بتطور المجتمع في جميع الاتجاهات : الفكرية والثقافية والروحية والاقتصادية والسياسية . إن هذه المنظومة من القيم هي مطلب انساني واجتماعي , لأن الأزمة التي يعيشها مجتمعنا المحلي لا ترتبط بقضية الاختلافات الفكرية الحادة بين رجال الدين والمثقفين فقط , إنما الأزمة تتمثل في جوانب عدة أبرزها انحسار روح التعاون بين كافة فئات المجتمع , وليس المقصود بالتعاون هنا التكافل الاجتماعي , أو حس الوازع الديني , فهذا الجانب مشهود له داخل المجتمع على الأقل عند شريحة كبيرة من أبناء هذا الوطن , لكن المقصود بالتحديد هو التعاون المثمر والبناء الذي يهدف إلى بناء العقل بما يتوافق وخصوصية هذا المجتمع , أي الخصوصية التي تتيح لكثير من الناس التعرف على تاريخهم المحلي دون أن يتغافلوا الحاجة الماسة للتعرف على أوضاعهم ومشاكلهم التي يمرون بها في الوقت الحاضر , ومعرفة الكيفية أو السبل التي تجعلهم أن يتجاوزا هذه المشاكل أو العقبات , وذلك في طريقهم لبناء مستقبل أبنائهم . خذ على سبيل المثال مشكلة التفكير في مجتمعنا , نحن لا نفكر بشكل جماعي , وإنما بشكل فردي عشوائي , وذلك في معظم القضايا الاجتماعية التي تعصف بنا . ولو أصبحنا نفكر بشكل جماعي لما كنا نعاني حساسية الاختلاف في الآراء والمواقف , والتي تقود في معظم الأحيان إلى العداء الشخصي , بل العناء ينسحب على قضايا أخرى من قبيل : الخلافات الأسرية , ارتفاع نسبة التعصب العقائدي بين الشباب , ارتفاع نسب الطلاق ..ألخ . معظم هذه القضايا أسباب تفاقمها واستفحالها ترجع بالأساس إلى عامل أساس وهو : قلة الوعي بأهمية التربية الثقافية , والتي تبدأ بتغذية روح المسؤولية عند الشباب تجاه قضايا المجتمع , ومحاولة إشراكه في همومه من خلال التفكير الجماعي المتناغم , والمبني على روح التعاون والنظرة إلى المستقبل . لكن السؤال الحقيقي هو من يقرع الجرس ؟ أي من الذي يقوم بهذه المهمة ؟ ومن هم الذين تقع على عاتقهم بث روح التربية الثقافية بين أبناء المجتمع دون تمايز أو انحياز؟! هنا نعود أدراجنا إلى تلك الطبقات المؤثرة في المجتمع , والتي أشرنا إليها سابقا . من عندهم تبدأ الانطلاقة , وإذا تساءلنا عن الكيفية , فأعتقد أن السؤال سابق لأوانه .ولكن ماذا-أعزائي القراء على سبيل المثال- لو أثرت بعض الأسئلة البسيطة والتي تعتبر من البديهيات التي نسلم بها جميعا, ولأبدأ بالسؤال التالي : هل تُمارسون القراءة بشكل يومي!؟ ثم ما نوعية القراءة التي تمارسونها!؟ بماذا تجيبون!؟ هل يفاجئكم مثل هذا النوع من الأسئلة كوني ضمنته كلمة بـ ( شكل يومي) , ألا تعتقدون معي أن عنصر المفاجأة هو في الافتراض ( أننا نقرأ يوميا , ونتأثر كثيرا بما نقرأ) وهو افتراض يصطدم بواقعنا اليومي الذي نعيشه كأفراد وجماعات, والأسباب متعددة ومتنوعة حول معنى هذا الاصطدام , لكنها تشير كلها إلى حقيقة واحدة هي : أن القراءة لا تشكل جزءا من برنامجنا اليومي. قد أبدو لكم متشائما نوعاما, فهل يُعقل أن هناك مجتمعا أفراده, ولو نسبة ضئيلة منهم, لا تمارس القراءة!!؟ لاشك أنه اعتراض في محله , ونحن متفقون تماما أنه لا يعقل ذلك إطلاقا!! لكن ما أقصده بالدرجة الأولى هنا ليس فيما يخص معرفة عامة الناس بأهمية القراءة بالنسبة للمجتمع, وليس فيما تقوله خطاباتنا التعليمية والتربوية والوعظية حول ما للقراءة من أثر ثقافي على تكوين شخصية الفرد والمجتمع, لقد تشبعنا كثيرا حدّ التخمة من هذه المقولات, منذ الصغر ونحن نردد ما يقوله المعلمون , ورجال التربية وعلم الاجتماع: .. يجب أن تقرأ.... بالقراءة تنهض الأمم..... وخير جليس في الزمان كتاب.... الخ. انها مقولات أصبحت من المسلمات والبديهيات التي لا يختلف عليها اثنان داخل المجتمع, لكنّ الغريب في الأمر هو أننا في جانب من المسألة نؤمن إيمانا تاما بأهمية القراءة , بما تفرضه علينا من حثّ على الممارسة والاطلاع والاستيعاب, وفي جانبها الآخر نرى أن واقعنا اليومي لا يظهر فيه ما يدل على أننا نمارس القراءة بما يتوازى ومكانتها عند أفراد المجتمع, انها مفارقة ينبغي التوقف عندها إذا ما أردنا أن نفهم واقعنا الاجتماعي بصورة موضوعية وشفافة, لكن المقال لا يسمح لنا بالتوسع في هذه النقطة الآن.إذن قد يتبادر إلى أذهان البعض السؤال الاعتراضي التالي : كيف تحكم بالجزم أنه لا يوجد توازن داخل المجتمع بين أهمية القراءة نظريا وبين أثرها وفاعليتها تطبيقيا!!؟ ثم هل قمت باستقراء فعلي حول هذه المسألة؟ أعتقد الإجابة تفرض علينا قول الآتي : اننا لا نحتاج إلى جهد مضاعف حتى نقرر مبدأ انحسار فاعلية القراءة داخل المجتمع , وذلك لسبب بسيط هو أن العالم أصبح قرية صغيرة بفضل التطور المعلوماتي, فما يحدث في غرب العالم ينعكس بصورة أو بأخرى على شرقه, والعكس صحيح, الأمر الذي يؤكد أننا أقل ارتباطا بالكتاب والقراءة من المجتمعات الأخرى . ولكن دعوني أوضح أكثر ماذا تعني لي القراءة , وماذا أقصد من هذه الكلمة بالضبط ؟ القراءة فعل تجريبي يؤثر على حواس القارئ في الحياة اليومية. لنوضح ذلك بمثال بسيط : عندما تمضي فترة من الزمن في قراءة كتاب ما , فإن جميع حواسك تكون ممتلئة بأفكار هذا الكتاب, وتكون تحت سلطة تأثيره, خصوصا إذا كنت معجبا به حتى النخاع, وسوف تكون هذه الأفكار حاضرة بشكل قوي في حياتك اليومية, ستجدها تغير رؤيتك لبعض المواقف التي سابقا كنت تظن أنها اعتيادية لا تحتاج إلى تأمل أو تفكير مثل أنماط السلوك المختلفة لأفراد المجتمع. mohmed_z@hotmail.com