مطلق العنزي

مطلق العنزي

قبل أيام.. كانت السحب الملح الداكنة تدفع حملها ببطء إلى الدهناء.. الأرض الظمأى الطويلة العطش.. وكنت أتمعن في هذه التشكيلة الرائعة، بين ثراء الماء وأمل الأنقاء العزلى المروعة بالعطش..تذكرت من سوف يحتفل معي بهذا الحضور البهي، الموجع المفعم بالهم والفرح وانتظار طويل الأناة..تذكرته.. ها هو يتأمل الغيوم الملح الوئيدة، واستبداد الظمأ..تذكرت صالح العزاز، واستدعيت مقاطع من الذاكرة.. لحظات لا تنسى..ذات شتاء.. كنت أتدثر ببعض من دفء الصباح.. وحولي بحر من حبر: صحف ومجلات متناثرة وكتب (قوتنا اليومي).. في شقة (عزوبية) سيئة جداً: مكاناً وتخطيطاً ومشؤومة أيضاً.. بل مشؤومة جداً جداً.. لأنها أودت بكثير من بعض ساكنيها إلى مناسبات مؤلمة..مر بي.. قال: ألا تود أن نخرج..؟..دون أن يسمع جوابي.. دلف إلى الباب.. كأنما يجيب منادياً سماوياً يدوي صوته في العلو..بعد برهة ناداني: تعال..جئت إليه..وإذا به يقف، مرسوماً، بـ"حضرة" المطر المهيب.. صامتاً.. يمد نظره إلى السماء كأنما نظراته مربوطة إلى غيوم جود.. (كما كان يفعل إلى كل شيء ينظر إليه).. وفي الواقع فإن صالحاً، من عادته ألا ينظر فقط وإنما كان يقرأ الوجوه والأشياء بعينيه بتركيز شديد.. يحاول إعادة رسمها في الخيال.. خلية خلية.. أو قل نبضة نبضة..مد يده ليلمس حبات الماء السماوي الصافية.. ليصافح الغيمة العجلى.. هذه التي ستلقي سلامها وسترحل عما قليل.. كما هو دأب غيوم الدهناء في أواخر الخريف.. حيث ريح الشمال الهلوع تخطف مناسبة الماء لتنثرها في أطراف الربع الظامئ..كان يستقي..وشرب ملء عينيه..كانت روحه العطشى ترتوي..في أيام صالح العزاز الأولى، وهي الفترة التي أمضينا كثيراً من أيامها معاً، كان يحتفل بالمطر ببهاء.. وبهجة طاغية.. (كان الأجدر بي أن أجيدها أكثر منه لأني بدوي، ولكنه كان يتحلى بومضة بدوية عميقة تستحيل نور).. إذ هي (البهجة والبدوية معاً) بالنسبة له نوع من ممارسة روحية.. يصعب تحليلها..كان يحتفل بالمطر والغيم.. وأحياناً يسرف بإطراء الوجوه الباسمة والأشياء الجميلة بأنها "رائحة المطر" وعلاقة الغيم.. مثلما كان يمد علاقة مع رمال الدهناء الذهبية والشاطئ والبحر ومراكب تودع موانئها لتركض في مسافات الماء..كان صديقاً للماء حيث كان.. حيث كان هو وحيث كان الماء: في العلو إذ الغيوم تدلهم وترسم وشاحها الفضي الشفاف في سماوات صحراوية زرق.. أو يكسو هذا البحر المسطح المائي المهيب الذي يمتد من طرف الأرض (المكورة) إلى ذات الطرف.. هذه السجادة الضخمة من الماء إذ تبدأ علاقتنا بها من الخليج.. ثم تتراسل الأمواج حتى خلجان الأرض القصية حيث أناشيد المايا أو حطام مراكب الفاينكنغ المدفونة بالصقيع.. ثم يتحول هذا الماء الناعم إلى صخور من جليد.. وأذكر أنه في اليوم الذي سلم الصحب جسد صالح إلى ثرى من خزامى وأثل ونصي، وتركوه مع ثرى نجدي، أصدق الأصدقاء، وعادوا إلى منازلهم، وبينما كان صديق المطر يعبر إلى عالم الطهر الأبدي، أنهمرت غيمة كريمة بمائها، رائحة السماوات، على قبره.. ولا بد أنه شرب ملء جسده.. سقيا لقبرك من قبر ولا برحت جود الرواعد تسقيه وتحتلبوربما كانت المرة الأولى التي يشرب ماء الغيوم بجسده.. ويتعطر برائحة المطر الفواحة الزكية..هذا الذي عقد علاقة خضراء مع المطر والريح وموج البحر وقوافل الصحراء يسكن في عالم آخر.. عالم من الشفافية الفياضة.. والطهر الأبدي.. والنور دون نهاية.. حيث لا وجود لظلام..@ اللهم إنك وعدت القلوب الرحيمة الكريمة بالرحمة والمغفرة.. فأرض عنه وأغفر له فإنه أكبر ما يمقت العلو في الأرض.. وأجمل ما يحتفي به وجوه الأطفال وبشارة المطر..malanzi@alyaum.com