محمد الحرز
لم أجد أفضل توصيف يتعلق بالآثار السيئة التي تفرزها منظومة القانون الدولي وقيمها السياسية الراهنة التي يديرها الغرب الذي يرفع من خلالها شعار الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان لتصديرها للشعوب الأخرى, سوى عبارة إميل سيوران التي تحمل روح التهكم "لعل هذه القارة ( الأوروبية ) لم تلعب بعد ورقتها الأخيرة. ماذا لو أخذت في نزع الأخلاق عن سائر العالم وأفشت فيه روائح عفونتها ؟ لا شك في أن ذلك سيكون بالنسبة إليها طريقة للاحتفاظ بمجدها وممارسة إشعاعها". لقد كانت التناقضات والازدواجية في التعامل مع القضايا والملفات الدولية هي من أبرز هذه الآثار , فالإدارة الأمريكية ومن خلفها دول الحلف الأطلسي يجدون في امتلاك إيران السلاح النووي خطرا يهدد أمن العالم واستقراره بينما إسرائيل لا تهدده بترسانتها النووية الضخمة . ينبغي هنا أن نفهم منطق هذا الموقف الذي يحمل روح التناقض الصارخ , ربما أبان بعض المحللين السياسيين الكثير من التفاصيل حول أسباب وتداعيات هذا الموقف وآثاره على توازن القوى في منطقة الشرق الأوسط , ولكن ما يهمني بالتحديد من إثارة هذه المسألة , هو التساؤل التالي : هل يمكن إحالة هذه المواقف المتناقضة , ومن ثم تحليلها , إلى طبيعة ذات بعد فلسفي وفكري درج الغرب على وضعها في خطابه كمسلمة لا يمكن مساسها ؟ وقبل الإجابة , ينبغي علي أن أوضح مبررات طرحي لهذا السؤال . وهي في ظني تنطلق من قناعة ما زلت أراها تكبر يوما بعد يوم , ألا وهي أننا لا يمكن فهم هذه المواقف السياسية الغربية فقط من منطلق التفوق العسكري والتقني والاقتصادي والمدني ومجرى تحولاته التي أدت إلى سقوط جدار برلين , وتفكك الاتحاد السوفيتي , وتحول دول الكتلة الشرقية إلى تبني الرأسمالية الغربية , وظهور النزاعات الإثنية والعرقية والقومية , وبروز النظام الدولي الأمريكي الأحادي القطب, وسقوط برجي نيويورك, وتهافت مفهوم السيادة الذي ارتبط مع نشوء الدولة القومية الأوروبية منذ معاهدة وستفاليا, وذلك لصالح سيادة القوميات العابرة للقارات من شركات وتنظيمات وهيئات مختلفة, وذلك تحت مسمى العولمة , وكذلك أيضا تحت مسمى تجربة الحداثة الغربية وما بعد الحداثة وتفوقها باعتبارها حضارة العصر التي هيمنت على حياة الإنسان المعاصر.لا يمكن فهم كل ذلك دون الرجوع إلى تأمل تاريخ الفكر الغربي الذي تأسست عنده مكتسبات الحضارة الحالية , لأن من أهم شروط فهم ما يجري في الحاضر هو وضعه في سياقه التاريخي , أي أن البحث عن سبب ما يجري من نزاعات وحروب ومواقف متباينة في العالم لا يقف عند حدود الأسباب الظاهرية سريعة التحول والقابلة في أكثر الحالات للتوظيف الإيديولوجي والسياسي , وإنما التراث الفكري والروحي للحضارة الغربية هو الذي يقربنا أكثر لفهم هذه السياسات المتناقضة التي تبدو لنا في الظاهر هي كذلك, لكنها من العمق تبدو في حالة تناغم وانسجام . وفق هذا المنطق التبريري يبدو لي أن هناك ضرورة تلح علينا نحن العرب تتعلق بإزاحة الصورة المستلبة والزائفة التي تبثها وسائل الإعلام الغربية ومراكز الدراسات والبحوث وأصحاب الفكر الاستراتيجي السياسي الغربي عن مجمل الأزمات التي يمر بها العالم والحلول المقترحة , ومن أهم هذه الأزمات بالطبع الحرب على الإرهاب ومحاولة ربطه بالإسلام . ولا يمكن إزاحة مثل هذه الصورة ومثيلاتها إلا بإزاحة الغبار عن سيكلوجية الثقافة الغربية التي تبدأ من عندها التوهمات والتخيلات والتوجسات, مؤطرة بذلك السلوك والمقولات بالنسبة للفرد وللمجتمع. لذلك عندما نقف على إجابة السؤال الذي طرحناه سابقا, من هذا المنظور فإننا نكتشف أولا : أن سمة القلق والكآبة لا ازمت هذه الثقافة في آدابها وفنونها وعند فلاسفتها بسبب الشعور المتناقض بين العظمة والانحطاط . يقول جورج قرم في كتابه" شرق وغرب : الشرخ الأسطوري" تشغل مسألة لانحطاط في الغرب اليوم أكثر من أي وقت مضى : إن عظمته بالذات هي ما يخيفه , لأن هذه العظمة لا يمكن إلا أن تنذر بأفول وشيك " . يتجلى هذا الشعور على سبيل المثال في أعمال المؤرخ الانجليزي أرنولد توينبي , وكذلك أوزوالد شبنغلر في كتابه "أفول الغرب " وكذلك ريمون آرون في كتابه " التاريخ وتأويلاته " ويمكن عرض الكثير من الأمثلة سواء على مستوى الفن والأدب أو الفكر والفلسفة , جميعها تدلل على أن الغرب بسبب هذا التوجس أحاط نفسه بسياج من العزلة شديد النرجسية والاعتزاز بالنفس , جاعلا بينه وبين الآخرين حدودا فاصلة لا يمكن الاقتراب منها , والسبب يعود في أصوله - كما يؤكد جورج قرم - إلى أن سوسيولوجيا ماكس فيبر" قد وطدت نمطا لتصنيف المجتمعات من خلال نموذج مثالي يفصل بين المجتمعات الحديثة المعقلنة والمجتمعات السحرية حيث سيطرة الدين والعلاقات العائلية, وكذلك دوركهايم من خلال كتابه " الأشكال الأولية للحياة الدينية " الذي يكرس هذه الثنائية ويؤكد أهمية الدين في صياغة أفكار الجماعات مقابلا بين المجتمعات البدائية والمجتمعات الأوروبية الحديثة المتحررة من سيطرة الدين " . ثانيا : هذه النرجسية والتعالي متغلغلة في خطابه , ورغم أن تاريخ الغرب الحديث كما يصفه ماكس فيبر بأنه تاريخ إزالة الانشداه أي الخروج عن سطوة الدين , إلا أنه بقي متمسكا بالنماذج الأولية التوراتية من فكرة الشعب المختار إلى فكرة المخلص والمنقذ , لقد تحولت هذه النماذج إلى قيم ومثل عليا تدور في فلك العلمانية الغربية ولم تستطع الفكاك منها على الإطلاق , لذلك أطلق عليها أحد المفكرين بالعلمنة المخادعة . قد يفسر لنا هذا الجانب بعض المواقف السياسية المتناقضة , ويضيء بعضها الآخر , ولكن لا يذهب بنا الظن إلى أننا لا نعلي من شأن الفكر النقدي الغربي الذي هو مهمش على مستوى الإعلام الغربي , وهناك سلسلة من المفكرين الذين يطالبون بالرجوع إلى مبادئ فلسفة الأنوار التي وجدوها انحرفت في عصر وجود التقنية والصورة والنظام الليبرالي الجديد مثل يورغن هابرماس وبورديو وريجيس دوبريه وإريك هوسباوم وآخرين. mohmed_z@hotmail.com