محمد الحرز
النقد جزء من الحراك الاجتماعي ومن دونه يظل تفكير المجتمع قاصرا عن إدراك أهمية التواصل بين ثقافات العالم التي تنهض على تفعيل وعيها النقدي في جميع مجالات الحياة.إن النقد في تصوري ليس حالة طارئة على الفكر البشري , لقد تأسست النصوص المقدسة في الحالة الدينية الضاربة في القدم على رؤية نقدية لوضعية الإنسان والمجتمع والعالم والكون , وبالتالي أحدثت هذه الرؤية إزاحات على مستوى تنامي المعرفة عند الإنسان باتجاه صنع الحضارة الإنسانية.لذلك ارتفع مفهوم النقد عند أغلب الباحثين إلى مستوى الطبيعة البشرية , وذلك لشدة حرصهم على تبيان أهمية التفكير النقدي عند الإنسان وعلاقته في التأثير على تطور المعرفة لديه. علاوة على ذلك لم تتأسس الحضارة الحديثة الغربية إلا على نصوص نقدية شملت الكتب المقدسة, وما يليها من خطابات فلسفية واجتماعية وسياسية وتربوية . لقد كانت الحساسية النقدية هي المؤسسة للثقافة الغربية بجميع فروعها على الإطلاق من الميتافيزيقيا حتى العلوم الدقيقة, من توما الأكويني وسبينوزا مرورا بديفيد هيوم إلى النزعة النقدية المزلزلة للأساس عند نيتشة . لقد تعلمنا من الحركة النقدية عند الغرب أن الفكر الخالي من الحساسية النقدية مآله الموت والضمور , بالضبط كما هي الحال عليه في فكرنا العربي الإسلامي في لحظته الراهنة . تأسيسا على هذه النظرة إلى النقد أجد نفسي منساقا إلى الاشتغالات النقدية بمفهومها الشامل , أي أن النقد عندي لا يرتبط فقط بالنص الجمالي الأدبي بالضرورة , وإنما يتجاوزه إلى توسيع هذا الارتباط بحيث يندرج تحت مفهوم النص ,كل ظاهرة اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية وثيقة الصلة بالحياة اليومية للناس , أو بتاريخهم سواء القريب منه أو البعيد . أنا هنا في واقع الأمر أتبنى المفهوم البارتي في تحليله للنص , لكني لا أسعي إلى تطبيقه بحذافيره , لكني أهدف من وراء ذلك إلى توسيع حيز اشتغالاتي النقدي ليشمل مفهوم الثقافة بوصفها خطابا انثروبولوجيا . وعلى هذا الأساس أجدني دائما في حالة عبور على المناهج النقدية , لكني لا ألتزم بالطابع الأكاديمي المدرسي للنقد سواء ما كان منه داخل المعاهد أو الجامعات . فقط هناك ميل شديد عندي فيما يخص المقاربات النقدية , وذلك في جعل مهمة هذه المقاربات تأسيس علاقة متينة بين الثقافة والأدب من جهة وبين المجتمع وتاريخه النصي من جهة أخرى , وما بينهما أكون قد حددت رؤيتي ليس للنقد فقط, وإنما للإنسان والحياة والمجتمع .من جانب آخر , على الرغم من شرنقة التخلف الفكري الذي طال ولا يزال نظام التفكير في حياتنا الثقافية والاجتماعية والدينية , فإن ذلك لم يمنع وجود نقاد حسب الطلب . لقد تنامى النقاد مثل الفطر في الوطن العربي بدليل المعادلة التالية والتي نجدها كما يلي : كلما ازداد عدد النقاد زاد التخلف في الوطن العربي , أعترف أنها صورة مأساوية , بل كاريكاتورية الى حد الفنتازيا , لكن واقعنا العربي هو الذي يشير إلى هذه الحقيقة المرة , ويعطيها تلك الصورة التي تنتصب مثل الرمح كتحد في قرننا الواحد والعشرين في وجه مثقفينا على امتداد وطننا العربي الكبير . من أجل ذلك كله نحن نؤكد على الحاجة لتأسيس فعل نقدي جاد يشمل جميع جوانب حياة الإنسان العربي , وفي مراحل تاريخه المختلفة , ولكن من يعلق الجرس ؟ المهمة تتطلب تضافر الجهود بين جميع المثقفين بمرجعياتهم المختلفة , وبين أصحاب القرار السياسي في الوطن العربي , هل يأتلف الطرفان أم كما يخبرنا تاريخهما أنهما لا يلتقيان على الإطلاق . يصعب الرهان على أحد الطرفين ما دمنا نرى الوضع الراهن للثقافة العربية في أسوأ حالاتها منذ عصر الإصلاح والنهضة, فالعلاقة بين الاثنين ملتبسة حد التنافر, فالمثقف لا يملك التأثير الذي يؤهله كي يكون طرفا فاعلا في تلك العلاقة . لقد تعلمنا من التاريخ كيف مرت على المثقف في علاقته بالسياسي حياة تملؤها المآسي والخضوع تارة , والتراجيديا تارة أخرى . إن رهان المثقف على امتلاك الطاقة التأثرية لا يبدأ من فوق , أي بالتوجه مباشرة إلى السياسي , وإنما ينطلق من القاعدة الجماهيرية , من المجتمع , من قدرته في التأثير على فكر الناس وسلوكهم , وبهذا يمكنه بالتالي أن تكون علاقته بالسياسي متكافئة , فإذا كان السياسي يملك السلطة , فالمثقف إذن يملك سلطة الرأي العام. ولكن الواقع خلاف ذلك , فمصيبة المثقف مصيبة مزدوجة , فطبيعة تركيبته ووظيفته لا تؤهلانه كي يكون رقما صعبا سواء عند المجتمع أو السلطة , وإذا ما حاول الخروج من طبيعته تلك وقع أما في التبعية بالنسبة للسلطة , أو الإقصاء والنبذ والعداء بالنسبة للمجتمع , وأنا لا أتحدث هنا عن جميع المثقفين , ولكن الجزء الأكثر تمسكا بمبادئه ونضاله وآرائه في الحياة.فهم يتخبطون في الظلام باحثين عن مشروعهم الذي ينقذهم من متاهة النسيان , ويقربهم من دائرة المجتمع , فهل نرى الليبرالي يزاحم الإسلامي في مكانته عند عامة الناس ؟. إن ما يسمى العراك الثقافي المعرفي إبان التحرر من الاستعمار أخذ بالخفوت والاضمحلال تدريجيا حتى أصبح في وقتنا الراهن مجرد مماحكات وسجالات بين تيارات بعضها متأدلجة بالنص المقدس , والأخرى متأدلجة بالأفكار القومية والماركسية التي عفى على مقولاتها الزمن . فمنذ الجدل الذي أثاره طه حسين من خلال نقده للشعر الجاهلي , وكذلك كتاب علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) وذلك في النصف الأول من عشرينيات القرن العشرين ,الذي أثار ردود أفعال بعضها رافضة , وبعضها مؤيدة , ولكن المهم أنه كانت هناك حركة فكرية نقدية كانت تستجيب لمعطيات الواقع , وتحولاته العالمية والإقليمية والمحلية , بغض النظر عن عمق الجدل أو ضعفه . لكن ماذا نجد في لحظتنا الراهنة ؟ لا شيء يقارن بما سبق , وأنا هنا لا استخدم معيار المفاضلة بين مرحلتين فكريتين , قد يكون وقتنا الراهن منفتحا على المعرفة وصنوفها أكثر من السابق , وقد توجد مشاريع فكرية بضخامة أركون والجابري والطيب تيزني وجورج طرابيشي وبرهان غليون وآخرين كثيرين تضمهم الساحة الثقافية العربية , ولكن أصبحت معظم اشتغالاتنا الفكرية النقدية نخبوية لا تصل إلى ذهنية أغلبية الناس ,وبالتالي لا تؤثر كثيرا على الرأي العام . قد أبدو هنا مستسلما للتشاؤم , ولكن ينبغي علينا ونحن نعيش في مرحلة مفصلية من حياتنا العربية أن نكون أكثر صراحة مع أنفسنا , وأن نواجه الحقائق مهما كانت مؤلمة , كي نتخلص من عقدة (الذات والآخر). mohmed_z@hotmail.com