ناجي الحرز: أجل.. موهبتي أكبر من شعري
ناجي بن داود الحرز شاعر ذو حضور متميز وبارز في المشهد الشعري المحلي والأحسائي على وجه الخصوص. كتب الشعر بكافة أشكاله بالفصحى والعامية وتألق فيهما معا. معروف بشعره الفكاهي الساخر المبطن بالنقد اللاذع لبعض الأوضاع الاجتماعية. نشر عددا من الدواوين كان آخرها ديوان (العنقود) الذي ضمنه مجموعة كبيرة من القصائد الإخوانية التي تبادلها مع مجموعة كبيرة من الشعراء ناهزت السبعين شاعرا. لا يتفق مع الرأي القائل بأن شعر الإخوانيات أصبح فنا شعريا منقرضا، ويعترف بأن موهبته الشعرية أكبر مما أنجزه من نصوص حتى الآن، ويصر على أن لديه ما يضيفه إلى القصيدة العمودية. لم نكن بحاجة لاستنطاقه، فقد كان أقرب للتجاوب مع (اليوم) في كل تساؤلاتها، حول تجربته الشعرية.@ لماذا أقدمت على طباعة ديوانك الأخير (العنقود) وهو ينتمي إلى باب شعري تراثي أصبح شبه منقرض الآن. هل تهدف من وراء ذلك إلى بعث هذا الفن الشعري وبث الروح فيه؟ ـ إن القول بأن باب شعر الإخوانيات أصبح منقرضا أو شبه منقرض مغالطة كبيرة لا تصمد أمام آلاف القصائد والأبيات التي يتطارحها أغلب الشعراء المعاصرين بما فيهم المؤمنون بنظرية الفن للفن. فهذا الباب الشعري لا يمكن أن ينقرض إلا بانقراض الشعر من قاموس كل لغات العالم. ولو أخذت هذا الديوان كاستمارة استبيان ومؤشر على كثافة وجود هذا الغرض الشعري لرأيت أن في زاوية واحدة فقط من الأحساء هذه البقعة الصغيرة من العالم أكثر من سبعين شاعرا يتطارحون هذا النوع من الشعر.وأؤكد لك أن كل قصائدي في ديوان (العنقود) لا تخلو إما من مقاربة عاطفية أو مقاربة إنسانية أو مقاربة هزلية هادفة تخرج القصيدة من إطار العام إلى فضاء العام.@هناك تفاوت واضح في المستوى الفني للقصائد والنصوص الواردة في (الديوان). هل تم انتقاء نصوص الكتاب من بين مجموعة أكبر من القصائد أم أنها تشكل مجمل تجربتك الطويلة مع هذا الفن؟ـ إن قصائدي في هذا الديوان هي أغلب ما كتبته من شعر إخواني فصيح وبالفعل أهملت بعض القصائد القليلة جدا لضعف مستواها الفني بحكم قدمها، وكونها من محاولاتي الأولى. ولاشك أن المستوى الفني لقصائد هذا الديوان ليس واحدا كما هو الحال في كل دواوين الشعر ويرجع ذلك إلى العامل الزمني وهذا التفاوت في المستوى يؤكد أن تقدما ما يتحقق بمرور الزمن.@ ألا ترى أن شعر الإخوانيات يجنح في بعض الأحيان لأن يكون أشبه ما يكون بالمباراة الذهنية واختبار المقدرة على الرد كأن يعمد شاعر ما إلى كتابة قصيدة ذات قافية صعبة كما حدث معك مرارا مما يمهد بتحويل هذا الفن إلى نظم مجرد من روح الشعر وألقه؟ـ صحة هذه النظرية وعدم صحتها مرتبط بمستوى كل شاعر وبمدى قدرته على تجاوز هذه المسألة والتحدي الحقيقي هو في النجاح في شطب كل تلك العقبات وإنجاز نص شعري حي. وأؤكد لك أن القصائد التي جاءت نتيجة لمثل تلك المراهنات هي من أجمل قصائد هذا الديوان وأكثرها شعرية.@ ثمة تصور ما حول تجربتك مفاده أن منجزك النصي لا يتوازى مع موهبتك. بمعنى أن موهبتك أكبر مما كتبته من نصوص حتى الآن. ما تعليقك. وإلام تعزو السبب إن كنت موافقا على هذا التصور؟- بالطبع أوافق على هذا التصور وهو عين الحقيقة والواقع وأنا أشعر وأعبر دائما عن شعوري بأن موهبتي وقدرتي الحقيقية لم تنطلق بعد من قمقمها لعدة أسباب منها همومي الخاصة الكثيرة والمتشعبة والمتواصلة وقلقي الدائم إزاءها ومنها أن اهتمامي بتنمية وإبراز تجارب الشعراء الشباب وتأسيس كيان شعري راسخ في الأحساء أثر تأثيرا كبيرا على اهتمامي بتجربتي الخاصة.@ قلت في حوار سابق معك إن لديك ما تضيفه إلى القصيدة العمودية في معرض تبريرك لتمسكك بالكتابة ضمن إطارها. هل تعتقد أنك قد حققت هذا الوعد؟- لقد نجحت في تحقيق شيء من هذا الوعد وكثير من النصوص التي كتبتها بعد ذلك التصريح تؤكد ذلك ومازلت مصرا على أن لدي ما أضيفه للقصيدة العمودية ويجب أن يكون هذا شعور كل شاعر طموح يحس بمسئوليته الأدبية عن جزء مهم من هوية أمته.ولا يعني تمسكي إلى حد كبير بالإطار العمودي رفضا لأشكال الكتابة الأخرى للقصيدة فقد كتبت ونشرت أيضا قصيدة التفعيلة وحتى قصيدة النثر.@ كيف تعاطى النقد مع تجربتك الشعرية الطويلة؟ وهل تعتقد أنك قد أنصفت نقديا؟- بالرغم من أن عددا من النقاد الكبار من داخل وخارج المملكة قد تناولوا تجربتي الشعرية بكثير من الإعجاب والتقدير إلا أن غالب تلك المقاربات النقدية لم تتوغل في عمق تجربتي وخاصة العاطفي والإنساني منها. ولست مستعجلا على هذا الكشف لأني على يقين بأن كل رسائلي ستصل يوما ما.@ كيف تنظر إلى دور وتأثير المنتديات والمجالس الأدبية والثقافية بالأحساء على الحركة الإبداعية والثقافية بالمنطقة خصوصا أنك تتولى الإشراف على واحد من أقدم هذه المنتديات، وهو منتدى الينابيع الهجرية؟- لاشك أن تأثير المنتديات الأدبية والثقافية يكون فاعلا على الحركة الإبداعية والثقافية بشرط أن يكون هدفها التأثير على تلك الحركة كما هو الحال بالنسبة لـ (منتدى الينابيع الهجرية الأدبي) الذي يفتخر بأن أبرز التجارب الشعرية الأحسائية تخرجت من مدرسته.ويؤسفني القول ان أغلب المنتديات والمجالس الأدبية والثقافية في الأحساء لم تتمكن من تركيز جهودها لذلك سيبقى تأثيرها مشتتا وضعيفا.@ كتبت الشعر بمختلف أشكاله وأنماطه، باللغة الفصحى وباللهجة العامية وطرقت العديد من أبوابه ما بين الشعر الرومانسي وشعر المناسبات وشعر الإخوانيات والشعر الهزلي الخ. ما السر وراء هذا التنوع وتعدد الأشكال؟- إن تنوع العطاءات الشعرية وتعدد أشكالها قد لا يكون سمة يتميز بها شاعر دون شاعر، فعدد غير قليل من الشعراء يكتبون في كل هذه الإتجاهات وإن لم يكن بنفس الغزارة التي أكتب بها فأنا لا أكاد أخرج من حالة اجتراح الكتابة في كل الاتجاهات ولعل ذلك من تأثير الضغوط المتواصلة التي أتعرض لها في حياتي الخاصة أو محاولة للتخفيف من تلك الضغوط أو الهروب منها.@ لماذا لم تعمد إلى طبع دواوينك أو بعضها على الأقل خارج المملكة لتحظى بانتشار أكبر كما يفعل معظم الشعراء والأدباء الآن؟- عندما تقدمت بطلب لفسح ديواني الأول (نشيد ونشيج) عام 1414هـ كان الفسح ينص على عبارة (على أن يطبع داخل المملكة) وبقيت واقعا تحت تأثير هذا التحديد رغم أن الفسوحات التالية لم تنص على تلك العبارة.وقد انتبهت مؤخرا إلى أهمية الانتشار من خلال الطبع في الخارج وبالفعل قمت بطباعة ديوانين وبحث أدبي خارج المملكة وقد تلقيت عروضا من بعض دور النشر في إيران وسوريا ولبنان لنشر إصداراتي وأعمل الآن بالتنسيق معهم على إصدار الطبعة الثانية من ثلاثة دواوين هي (نشيد ونشيج) و(خفقان العطر) و(قصائد ضاحكة).@ قيل إن أحد أسباب النجاح الساحق، من الناحية الإعلامية التسويقية، لرواية بنات الرياض لرجاء الصانع هو الكلمة التي جاءت بقلم الدكتور غازي القصيبي على الغلاف الخلفي للرواية. في ديوانك خفقان العطر الصادر سنة 1420 كانت هناك إشادة مماثلة تحتفي بشعرك بقلم القصيبي أيضا دون أن يلاقي ديوانك نجاحا مماثلا. هل يعكس هذا الأمر ما يشاع حاليا عن ازدهار الرواية وانحسار الشعر؟- أولا إن ديواني (خفقان العطر) لاقى نجاحا لابأس به بشهادة سلسلة المقالات والدراسات الجادة التي نُشرت عنه وبدليل نفاد الطبعة الأولى في زمن قياسي وبالطبع كان للإضاءة التي تفضل بها معالي الدكتور غازي القصيبي على غلاف الديوان دور كبير في تسليط الضوء والتنبيه إلى قيمته. ولا أظن أن أحدا يريد أن يقارن ديوانا شعريا يصدر في معية العشرات من الدواوين المشابهة له بعمل مثل (بنات الرياض) هذا العمل الذي لم تدع مؤلفته بأنه رواية إلى الآن. ولا أظن أن أحدا يريد أن يجير كل الضجة الإعلامية التي أعقبت صدور هذا العمل ولا حتى الإقبال عليه لصالحه أو كنتيجة لتفوقه الإبداعي ففي مجتمع شرقي (فضائحي ..) لا يمكن أن تقيس مستوى أو مدى نجاح أي إصدار من هذا النوع بإقبال الناس عليه أو بحديثهم عنه.
صورة ضوئية لغلاف ديوان (العنقود)
صورة ضوئية لغلاف ديوان (العنقود)