محمد الحرز
أكثر ما يلفت النظر فيما يخص الميزانية السنوية التي صدرت مؤخرا للدولة والتي تناقلتها الصحف في هذا الأسبوع هو ضخامتها من حيث الايرادات الكبيرة التي خصص الجزء الأكبر منها لمشاريع البنية التحتية للبلد . ولكن السؤال الأكثر أهمية في هذا الخصوص هو مدى وعي المواطن السعودي في التعامل مع تلك المشاريع التنموية التي أرادها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله نواة لرفع مستوى المواطن المعيشي على كافة الصعد والمستويات. هذا الوعي الذي أشير إليه هو سلوك المواطنة الذي يقرب المواطن من الدولة ويعطيها مبررات مشروعيتها لديه , ويطرح الثقة المتبادلة بينه وبين المؤسسة الحكومية التي تدير شؤون الدولة بشكل عام . قد تكون هذه الميزانية فرصة سانحة للجميع لتجاوز معظم الأزمات التي تفاقمت نتيجة سياسات الحرب على الإرهاب العالمية وما استتبع ذلك من تحالفات سياسية دولية أثرت بشكل أو بآخر على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الإقليمية والتي أدت في مجملها إلى محن ما كانت لتوجد لولا كارثة الحادي عشر من سبتمبر . على خلفية هذا الوضع المأزوم يبدو لي أن الرؤية السياسية للدولة تحمل في داخلها علاجا يحاول أن يمس بنية التطرف والاحتقان الذي ضرب بعض الأجزاء من المجتمع السعودي, وهو علاج ذو طبيعة اقتصادية يناسب الإمكانات التي توفرها الدولة من خلال عائدات النفط . ولو تأملنا عن كثب مجريات الأحداث التي استحكمت حلقاتها من خلال الوضع الإقليمي للوطن العربي الذي أعاده الاستعمار الأمريكي في العراق إلى الوراء خطوات كبيرة , لأمكننا أن نرصد جملة من المتغيرات التي يهدف أصحاب القرار السياسي فيها إلى تدارك الوضع الخطير الذي يمر به العرب من خلال الهجمة الشرسة التي تشنها أمريكا ومن خلفها حليفتها الإستراتيجية في المنطقة إسرائيل . أهم هذه المتغيرات على الصعيد المحلي هو سعي السياسة السعودية في الداخل إلى تحسين الشرط المعيشي للفرد , وهو سعي يمكن المراهنة عليه للخروج من أسر الحلول المباشرة التي ارتبطت بأزمة التطرف والإرهاب التي مست بنية المجتمع السعودي , وغالبا ما كانت هذه الحلول تمثل وجهات نظر خارجية (أمريكية وغربية)كانت ومازالت تنظر إلى شعوب المنطقة وكأنها مقطوعة الصلة بموروثها الديني والثقافي والاجتماعي , وكأن عقيدة تصدير الديمقراطية التي لوحوا بها من خلال مشروعهم الشرق الأوسط الكبير هو الحل السحري الذي سينتشل شعوب المنطقة على طريق الإصلاح من براثن التخلف والتطرف و "الإرهاب " لذلك تارة تجدهم يحيلون الأزمة إلى التعليم الديني المتشدد , وتارة أخرى إلى فقدان الحرية والاستبداد السياسي ,لكنهم تغافلوا عن قصد أن مثل هذه الحلول لايمكن أن تكون مجرد وصفات طبية تعطى للمريض في أي وقت , والمفارقة الكبرى هنا هو أن الغرب الأوروبي بالتحديد قد طور كثيرا من نظرته المعرفية التي تتعلق بمجال الدراسات التاريخية بناء على أزمات كبرى مر بها وهزته من العمق كالأزمة المالية الكبرى في الثلاثينات من القرن المنصرم التي عصفت بأوروبا وأمريكا وهزت الاقتصاد الرأسمالي بقوة , وكذلك أزمة الحرب العالمية الأولى التي جعلت من فكرة الحرب فكرة مرعبة وهاجسا يؤرق الفكر الغربي ويلقي بظلاله على الدراسات التاريخية التي حاولت أن تبحث عن حلول تحت تأثير تلكما الأزمتين, فتأسست مدرسة الحوليات التي أخذت الدراسات التاريخية على يديها بعدا جديدا يكاد يكون انقلابا على المعرفة التاريخية التي جاء بها القرن التاسع عشر, فجاءت دراسات لوسيان فيفر ومارك بلوخ وفرناند بورديل كلها تؤكد نتيجة مهمة ألا وهي أن الأزمات الكبرى الذي تعصف بأي مجتمع لابد أن تؤدي به في النهاية إلى البحث له عن حلول من عمق تاريخه وثقافته وليس عن حلول جاهزة مستوردة من الآخر كما يقترح الغرب السياسي الآن على العرب والمسلمين . وعادة ما تأخذ هذه الحلول وقتها في النضوج والتأثير وهذا ما تم للغرب فيما يتعلق بمفاهيمه وقيمه عن الحياة والفكر والسياسة والتاريخ والدين حيث لم تكن هذه الحلول سوى حلقة متصلة من المراجعة والنقد التي امتاز بها الفكر الغربي منذ ما يقارب ثلاثة قرون, فكيف يريد منا الغرب السياسي أن نأخذ على محمل الجد مشاريعه حول الشرق الأوسط ونحن ندرك تماما أولا أنه لم يخرج من أزماته سوى بالرجوع إلى تاريخه وتراثه, وثانيا هذا الرجوع يتطلب حراكا اجتماعيا تتحول فيه القيم والمفاهيم إلى حاجة ضرورية للتغيير سواء على مستوى العلاقات الاجتماعية والدينية والاجتماعية أو على مستوى الذهنية السياسية والاقتصادية التي ترتبط بشكل ما بنظام الحكم للدولة. وهذا ما يتطلب ثالثا مساحة زمنية تصطدم ببساطة بما يطرحه علينا " الآخر " من حلول أو كما يعبر عنها في الدراسات التاريخية الغربية بـ "المديات الطويلة " في التفاعل الثقافي بين المجتمعات . إن الرهان الاقتصادي في الإصلاح التي تسعى إلى تطبيقه سياستنا المحلية هو جزء من التنمية البشرية التي هي بالضرورة تأسيس لمفهوم المواطنة والتي تعتمد في ظني على سؤال مهم هو: كيف يمكن أن نستثمر الإنسان في مجتمعنا في حقل التعليم للوصول إلى تأسيس هذا المفهوم؟. mohmed_z@hotmail.com