محمد الحرز
أريد في هذه المقالة أن أتأمل الشعر والأدب والفن من منظور التفكير الفلسفي لاستخلص موقفي منهما , لذلك فليعذرني القارئ حينما أثقله بالنظريات والآراء الفلسفية . مبرري الوحيد هو أننا ينبغي أن نوسع أفق ادراكنا للأدب من منظور الفكر الفلسفي عند الشعوب الأخرى.وسأبدأ عند نظرية التأويل وعلاقتها بالمتلقي والحياة .لقد كان تصوري دائما يذهب بالأساس إلى منجزات الفينومينولوجيا عند هوسرل وهيدغر , والهرمنوطيقا عند جادامر وبول ريكور رغم الاختلاف بين الاثنين , الأول يعتمد في فلسفته على فكرة اغتراب الوعي الجمالي للفن والتاريخ , والثاني ينظر إلى الحكي والسرد والزمن بمثابة بؤر انطولوجية في تكوين المعرفة البشرية , ثم هناك نظرية التلقي التي تشكل مدرسة كونستانس الألمانية من خلال رائديها : هانز ياوس , وفولفانج إيزر , فالأول ابتكر مصطلح (جمالية التلقي) بناء على نقده للمنهج الوضعي في دراسة الأدب والفن , وكذلك نقده لمفهوم الانعكاس عند الماركسيين لوكاتش وغولدمان من جهة , ومن جهة أخرى انتقاصه من المنهج الشكلاني للروس , إلا أنه حاول الجمع بين الاتجاهين , مركزا على أن الأدب والفن في صلته بالقارئ أو الجمهور حسب رأيه هي الفاعلية المغيبة تاريخيا . أما إيزر فقد ركز على الاستجابة الجمالية عند المتلقي في تفاعله مع النص , هذه الاستجابة المتحدرة من التراث الكانطي لا تعتمد بالأساس على فكرة الحدس التي تعتبر مركزية في فلسفة (نقد ملكة الحكم) , ولا الفكرة المطلقة في فلسفة هيجل التي هي عنده بمثابة الروح المطلقة أو الحقيقة, إنما تمثل هذه الاستجابة الخبرات الفردية والجماعية الجمالية عبر تراكمها التاريخي , وخير عبارة تمثل ذلك عبارة هيجل نفسه في محاضراته عن فلسفة الجمال حينما قال (الفن شيء من الماضي) حيث يستدل بها جادامر في مقالته الهامة (الحدس والعيانية) على أهمية التحولات التي طالت الخبرة الجمالية عند الناس من عصر إلى آخر رغم أن هيجل لم يصرح بذلك , لكنّ فائدة المنهج الهرمنوطيقي - مجازا نسميه منهجا- هي التي تقول ذلك .لا أهدف من عرضي السابق سوى أن أبين السياق المعرفي الجمالي والأدبي الذي نحن لا نزال مشدودين إليه وواقعين تحت سطوة تأثيره , وكذلك لأتدارك الموقف وأقول أن المعضلة الأفلاطونية التي حكمت هذه المسألة (الدال والمدلول) أو (الذات والموضوع) أو (الشكل والمضمون ) لم يقطع معها الفكر الفلسفي إلا مع النظرية النقدية الحديثة التي تقوم على إسهامات مثقفي الشعوب المهمشة , ثقافة العالم الثالث , والثقافة النسوية , والثقافة الزنجية أمثال إدوارد سعيد , إعجاز أحمد , إيهاب حسن , جوليا كريستيفا , هيلين سيكسوس , حيث يحاولون من خلال الانحياز للتفكيكية تجاوز هذه المعضلة من خلال تفكيك مفهوم التمثل القابع في المركزية المتعالية للهوية الغربية .هذه هي السمات المعرفية التي تحكم المشهد ما بعد الحداثي في تطوراته المتشظية في كل اتجاه .أن ما أريد أن أختبره- مما سبق- هو ذائقتنا الجمالية في الحياة , وكيف بالتالي يتحول الفن بجميع فروعه إلى قناعة تنزل منزلة الوجود المقدس بين أفراد المجتمع الواحد , ربما مجتمعنا لم يصل إلى تلك القناعة إلى الآن , ولكن حتى أوروبا القرن الثامن عشر لم تنسجم تماما مع ما يطرحه فكره الفلسفي الجمالي من اهتمام بالفن , إنها في وجه من وجوهها مفارقة , تتجلى - مثلا - عند " كانت " الذي يرى ريجيس دوبريه في كتابه (الصورة) أن (كانت) لم يعرف عنه في حياته أنه زار معرضا أو متحفا أو اقتنى أينا منهما . بالطبع في عالمنا العربي , ومن هذا المنطلق يوجد العديد من الذين يحملون هذه السمات الكانتيه, على طول البلاد وعرضها . ولو أخذنا المسألة من جانب آخر نجد على سبيل المثال أن مفهومي (الانحياز / التجاوز) في الأدب هو نتاج دلالات مختلفة من التأويل الذي يتبناه ويسعى إلى تثبيته عبر قراء متأولين للمعنى الشعري في علاقته بالحياة , وهو تأويل يعتمد بالأساس على المتلقي وليس الخطاب , على روح اللحظة في تقاطعها بالمكان كما يقول أكتافيو باث , وليس على مقولات مسقطة من خارج دائرة النص / القارئ , والنص الذي أعنيه هنا هو تأويل العالم من خلال سردية الحياة المتوالية عبر التاريخ والذي ثبته بول ريكور في اشتغالاته . لذلك لا يأتي " الانحياز " هنا كمفهوم , لكنه يشكل بالنسبة لي موقفا وجوديا من مسألة الكتابة في علاقتها بالحياة , وبالضرورة أن تتضمن هذه العلاقة موقفي من الشعر والتاريخ والمجتمع والثقافة , هذا المعنى الذي أدعوه موقفا يتجاوز المفهوم ويتخطاه إلى (درجة الصفر) في تأويل العالم .( واضح هنا أنني أميز بين المفهوم والموقف, ولست هنا بصدد توضيحه أكثر ).أن الانحياز بالنسبة لي من منظور الإنسان في صلته بالموت والحياة يتضمن التجاوز ولا يلغيه , وكمثال : أن وعي الشاعر بالأشياء الكامنة في سره يفضي به بالضرورة إلى قطع صلته بأي بوصلة تعرفه بالاتجاهات التي يطمئن إليها في طريقه إلى الشعر ( هذا إذا سلمنا : أن الطريق مكمن للشعرية ) , حيث لا يوجد أمام هذا الوعي سوى التشظي في الحركة, وارتياد المجهول , والبحث عن جوهر الحياة وهما في ظني الموت والخلود , لذلك ينطبق على هذا الوعي مقولة جلال الدين الرومي حينما قال (الروح طائر الرؤيا لا يقع على الإشارات), أو كما قال الشاعر رينيه شار " لو نسكن البرق فإنه قلب الأزل " . هكذا يبدو لي مقدار المسافة الفاصلة بين الانحياز وما يتطلبه من عناصر مؤثرة تأثيرا مباشرا بالحياة التي نرويها ونعيشها , وبين التجاوز الذي يتعقل الحياة , ويضفي عليها شيئا من الانسجام . وخلافا لما يراه البعض من أن هذا الانحياز هو تجميد للحياة وتجاهل للموت , فإن المعنى السابق له يعطيه المشروعية في تجاوز الأسئلة الميتافيزيقية ومن ثم إعادة صياغتها من جديد , وفق ما تتطلبه الرؤيا الخاصة لوعي الشاعر نفسه . إن اختلافي المفصلي مع بعض الشعراء هو أني لا أعتبر الحياة مجرد نص موضوعي..., خصوصا إذا كانت الحياة وثيقة الصلة بالإبداع على وجه العموم , وسبب هذا الاختلاف نابع من الاتكاء على ثنائية الشكل والمضمون الموروثة من خطابنا الفلسفي والنقدي , أو الذات والموضوع الذي ألمح أليه البعض باستشهاده بـ اليوت , المتأثر بالنظرية الرومانسية للشعراء الألمان , حتى مفهوم الموهبة الفردية المشتق من مفهوم العبقرية في تلك النظرية , أضفى عليها اليوت أو ربطها بالحس التاريخي لوعي الشاعر في مقالته المشهورة تلك . أن فهمي للحياة يتجاوز تلك الثنائية إلى ما هو أعمق من ذلك إنها بالنسبة لي نوع من التأويل المفرط على حد تعبير أمبرتو أيكو , لا يسعني معه سوى الوقوف على الحافة في ذهابي إلى آخر الشوط . لقد قال مرة إميل سيوران " قبل أن تكون خطأ في المضمون , كانت الحياة خطأ في الذوق , لم يفلح الشعر ولا حتى الموت في تصحيحه " . هذا هو الكنز الذي نبحث عنه في عمق كينونتنا , ولكن لا وصول. mohmed_z@hotmail.com