محمد العلي

محمد العلي

((هل يفكر العرب؟نعم.. انهم يفكرون ولكن في ماضيهم فقط)).هكذا سأل السيد عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية، وهكذا أجاب. والسؤال والجواب كلاهما ينطويان على اهمية بالغة، ولكنه لم يذهب الى تعليل ذلك والى شرح الاسباب التي افضت بالعرب الى هذه الحالة، أي ان تفكيرهم متوجه دائما الى الماضي لا الحاضر ولا المستقبل.تقديس الماضي ليس جديدا على العرب.. انه نزعة جاهلية، لم يقض عليها الاسلام الا في نفوس افراد قليلين. اما الكثرة الغالبة فقد بقيت هذه النزعة متأججة فيها، وقد أذكاها العصر الأموي إذكاء طمس جميع التعاليم الإسلامية.. أما في عصرنا الحاضر فقد اتخذ هذا التقديس منحى اخر، ولكنه يفضي الى نفس النتيجة، هذا المنحى هو ما اوضحه الباحث محمد جواد رضا من تسييس اللغة وتسييس التاريخ:ففي محاولة لبناء نظرية عربية في القومية سيس المنظرون العرب اللغة، حيث اعتبروها (روح الأمة) كما سيسوا التاريخ باعتباره (وعي الأمة وشعورها) وبهذا التسييس انفصلوا عن الواقع واصبحت عيونهم لاتنظر الا الى الخلف. وقد شرح الباحث خلدون النقيب في كتابه (آراء في فقه اللغة) خطورة ما ذكره محمد جواد رضا بقوله:((إن الخلل في العملية المعرفية يكمن في قضيتين اثنتين: تسييس اللغة العربية، واضفاء صفة القدسية على التاريخ.. فتجمدت اللغة عند نقطة تاريخية معينة وانحبست فيها معاني قبلية البداوة وقيمها، مما منعنا من ممارسة التحليل الداخلي للقوى الدينامية الفاعلة فيها. فأصبح الفكر يتشكل بالصياغة اللغوية بدلا من ان تكون اللغة مجرد ناقل للفكر مشتق من حقائق الاجتماع الانساني (....).أما اضفاء القدسية على التاريخ فقد تمثل في الانتقال من التاريخ الاعتباري الى التاريخ (المؤقنم) الذي يظهر في صور (هي تجسدات حقيقية لتاريخ مضغوط).لأن الماضي أصبح يتجسد في العقيدة الدينية، ولذلك فالثقافة العربية هي ثقافة فقه (..) فما هي اذن خصائص هذه الثقافة؟ أولا: إنها ثقافة خارجة عن المجتمع الحضري، فهي ثقافة قبلية (..) ثانيا: انها ثقافة مجتمع ميت...الخ)).خلدون النقيب/ آراء في فقه اللغة ص395.في حلقة سابقة ضربت بعض الامثلة على ان الذهنية العربية (ذهنية يقينية) والذهنية اليقينية لايمكن ان تلتفت الى الحاضر ولا الى المستقبل لانهما في مهب احتمالات عديدة، وامكانات مختلفة غير متجسدة او متحققة، والذهنية اليقينية تتعلق دائما بالشيء المتحقق حتى وان كان وهما، وهذه صفة تدمر الثقافة وتعيق النظر في أي احتمال.لقد وصف كثير من المفكرين والباحثين المعاصرين الثقافة العربية بصفات قاسية، ولكن أشرسها قول خلدون النقيب تبعا للدكتور محمد عابد الجابري: ((ان الثقافة العربية ثقافة مجتمع ميت)).ألا يقشعر بدنك وفكرك من هذا الوصف؟وهل هناك اصلا مجتمع ميت؟لا.. أبدا.ليس هناك مجتمع ميت ما دام مجتمعا، أما اذا انتفت منه صفة المجتمع فيمكن ان يكون ميتا او منقرضا، والمجتمع العربي مجتمع حي يرزق، صحيح يكافح على الرغم من كل العوائق التاريخية الثقيلة والكوابح الاجتماعية الفادحة. صحيح انه بطيء الحركة ووعيه في سبات، ولكن مجرد وجود فئة فيه تشعر بهذا هو دليل على انه مجتمع حي.أليس كذلك؟تشجع وأجب.mali@alyaum.com