حسن السبع
تناولتُ في المقال السابق بعض النوادر التي تعبر عن آلية الأداء البيروقراطي، وأشرتُ، كذلك، إلى أن أقل البلدان تعقيدا في إجراءاتها الإدارية أكثرها تنكيتا على الآلة البيروقراطية. وللأمريكان نصيب وافر من هذه النكات المتعلقة بكثرة اللوائح، وبطء الإجراءات، وتدني الإنتاجية.ومع أن البيروقراطية نظام مكتبي لا بد منه لتنظيم سير العمل ومتابعته، وتحديد قنوات الاتصال، وتعيين حدود الإشراف، وتوزيع المهام والأدوار والمسؤوليات وفقا لبرامج معلومة، وخطط مرسومة، وصولا إلى تحقيق أهداف وغايات المؤسسة إلا أن هذا المسمى لا يترك لدى السامع انطباعا إيجابيا. وكما أن المشكلة ليست في الأفكار، أحيانا، بل في ممارسات من يتبناها، كذلك لا تكمن المشكلة في النظم أو اللوائح، بل فيمن (يلوّحها) أثناء التشريع، ومن (يخشّبها) أثناء التنفيذ، فتبقى جامدة متكلسة، لا تجد من يصقلها أو ينفض عنها غبار الزمن لتواكب المتغيرات وتراعي المستجدات، الأمر الذي يساهم في بطء الإجراءات وضعف الإنتاجية. ويحكى، في هذا السياق، أن موظفا حكوميا أراد أن يطرد عنه الملل، ففتح دولابا مهجورا منقبا في محتوياته، ووجد من بينها مصباحا نحاسيا قديما. أخذ المصباح معه إلى البيت، وأثناء تلميعه خرج له جني، كالعادة في مثل هذه القصص، ومنحه ثلاث أمنيات. لم يصدق الموظف في البداية ما سمعه من الجني، فطلب علبة بيبسي مبردة، وكان له ما أراد. عندئذ سأله الجني عن أمنيته الثانية، فطلب قصرا على جزيرة وبه كل ما يخطر على البال من وسائل المتعة. حقق له الجني ما تمنى، وسأل الموظف عن أمنيته الأخيرة فقال: أريد أن لا أمارس أي عمل البتة.. لحظات قليلة، وإذا به يعاد إلى مكتبه الحكومي مرة أخرى! النكتة تعكس شكلا من أشكال البطالة المقنعة، وتكدس القوى الوظيفية الناجم في أغلب الأحوال عن عدم القدرة على دراسة معدلات الأداء، وتقدير القوى الوظيفية الحقيقية اللازمة لإنجاز الخدمة. ولأن البيروقراطية أشبه بكرة الثلج التي تبدأ صغيرة ثم تتضخم، فإن النكتة التالية تعكس أسباب ذلك التكدس الوظيفي. ويحكى، في هذا السياق، أنه كان للحكومة الفيدرالية ساحة كبيرة من الخردة (سكراب) في وسط الصحراء، فرأى الكونجرس أن هذه العهدة الكبيرة قد تتعرض للسرقة ليلا، فعينوا حارسا ليليا. ثم رأى الكونجرس أن الحارس لا يمكن أن يؤدي عمله دون خطة عمل وتعليمات، فأحدثوا إدارة تخطيط صغيرة، عينوا فيها موظفين: أحدهما لكتابة التعليمات، والآخر لدراسة معدلات الأداء، ثم رأى الكونجرس، بعد ذلك، أنه لا بد من وجود وحدة تفتيش لمراقبة الحارس، والتأكد من أنه يقوم بعمله على أكمل وجه، فعينوا موظفين أيضا أحدهما للتفتيش، والآخر لكتابة التقارير الخاصة بسير العمل. ولدفع مستحقات هذه القوة الوظيفية التي تشكلت بعد تعيين الحارس، أحدثوا وظيفتين أيضا، مسجل ساعات وموظف رواتب. ثم وجدوا أنه لابد من إحداث قسم يتولى الإدارة، فعينوا ثلاثة موظفين: مدير إدارة ومساعد وسكرتير قانوني. لكن الكونجرس وجد بعد عام أن الميزانية قد تجاوزت الحد المقرر بمبلغ 18000 دولار. ولتخفيض النفقات وسد ذلك العجز فقد فصلوا الحارس (!!). إنها نكتة بالتأكيد، والنكات كالرسوم الكاريكاتورية تضخم الأشياء أو تبالغ في تصويرها، لكنها تعكس شيئا من الواقع على أية حال.في الحكاية الأولى يحاول الموظف أن يطرد الملل بالتنقيب في دولاب الملفات القديم، لكن بعضهم يجد الفرصة مناسبة للنوم، وفي بعض الأدبيات البيروقراطية الساخرة مجموعة من المبررات والأعذار لمن (يُضبط) نائما في المكتب. من تلك المبررات ما يعلق سبب النوم على طرف ثالث كأن يقال: إن غلاية القهوة متعطلة. ومن الأعذار الموغلة في السخرية من الذين ينامون في المكاتب هذا العذر: (كنت أختبر مدى مقاومة لوحة مفاتيح الطابعة للعاب! ويمكن لهواة النوم في المكاتب أن يعتذروا بالأعذار التالية:(قالوا في بنك الدم هذا اليوم إن هذا سيحدث لي..) أو (تعلمت في دورة إدارة الوقت التي التحقت بها قبل أسبوع أن 15 دقيقة من القيلولة مفيدة لتجديد النشاط) أو أن يرفع الموظف النائم رأسه قائلا: (أوووه.. لماذا قطعت عليَّ حبل أفكاري؟ لقد كنت على وشك إيجاد حل للمشكلة العويصة التي ناقشناها من قبل). أو (كنت أمارس بعض تدريبات (اليوجا) الخاصة للتخفيف من ضغوط العمل.. فهل أنت ضد ممارسي هذه الرياضة؟). ولو قال الرئيس إنه ضد تلك الرياضة لاعتبر ذلك شكلا من أشكال التمييز ضد مزاولي رياضة اليوجا.إن البيروقراطية وإن بدت نظاما ذاتي الإعاقة، بسبب اللوائح والنظم المعقدة، إلا أن تلك اللوائح والنظم ليست، وحدها، السبب في سلحفائية الأداء، أو تعثره، أو تدني مستواه. كذلك لا تستطيع الإمكانيات المادية والتقنية وحدها تحقيق نجاحات باهرة، فهي ليست عصا سحرية ما أن تلامس المشكلة حتى تنفرج، وليست علاجا لكل أمراض البيروقراطية المزمنة، ما لم تتوافر لتلك الإمكانيات المادية قوى بشرية مؤهلة وقادرة على التطوير والابتكار، وعلى استثمار وإدارة تلك الإمكانيات. ولاستثمار تلك الإمكانيات المادية والبشرية ينبغي أن يتوافر لها قيادي لا يشبه رجل المنطاد (البالون) الضائع في الفضاء. إذ يحكى أن منطاديا ضائعا في الجو أطل من عليائه على رجل فوق الأرض وقال: (أرجو أن تساعدني.. فقد وعدتُ أن أقابل صديقي قبل نصف ساعة، لكني لا أدري أين أنا الآن: قال الرجل: (أنت في بالون هوائي، تطير على بعد 30 مترا عن الأرض، بين 40 و42 درجة شمال خط العرض، و58 و60 درجة غرب خط الطول). قال المنطادي: (يبدو أنك مهندس). قال الرجل: (نعم.. وكيف عرفت ذلك؟) قال المنطادي: (كل ما ذكرته لي صحيح من الناحية التقنية، لكني لا أعرف كيف أستفيد من هذه المعلومات، وما زلت ضائعا.) قال الرجل: (يبدو لي أنك مدير.) قال المنطادي: (أجل، أنا كذلك، فكيف عرفت أنني مدير؟) قال الرجل: (المسألة واضحة، فأنت لا تعرف أين أنت، أو إلى أين تتجه، وقد وعدت صديقك وعدا، وليس لديك أدنى فكرة عن طريقة إنجازه، ثم توقعت مني أن أحل مشكلتك، وهأنت، أخيرا، تلقي باللائمة علي.. أنت، إذن، تمارس طبيعة عملك السابق في هذه اللحظة.)! أجل، إذا وجد قيادي مثل ذلك المنطادي الذي لا يعرف ماذا يريد، وإلى أين يتجه، فلا فائدة ترجى من كل الإمكانيات المادية والبشرية المتاحة.hsn_saba@hotmail.com