محمد الحرز

محمد الحرز

الحديث عن الإبداع المحلي هو في العمق منه حديث عن الذاكرة الثقافية للإنسان , والذاكرة بدورها سياق تاريخي شديد الخصوصية والتنوع , وبالتالي يصعب الإمساك بخيوط تشعباتها المتشظية في جميع الاتجاهات .لا أريد هنا المغامرة في الحديث عن هذا السياق طالما لم نؤسس إلى تاريخ فني يحكم مسار تطور الإبداع بجميع أبعاده الفنية والذوقية والثقافية . لقد كسرت مخيلتنا حاجز الثيمات المقدسة في الواقع , لكنها لم تزل تراود مكانها , لأنه بكل بساطة لم يتحول منظورنا الجمالي إلى قيمة , يمكن الركون إليها في تأسيس وعي جمالي مغاير , واستثنائي على الإطلاق .لذلك تتمحور هذه المقالة حول فرضية مفادها : أن اكتشاف النصوص الإبداعية طريقة إلى الدخول في مبدأ اللذة والمتعة , وهو مبدأ كما تزعم قناعتي , يعلي من شأن النزعة الفردية في تلقي النصوص , وبالتالي في التعبير عن جوهر العلاقة بين النص والقارئ , وهو جوهر ينهض على فعل الحرية .يقدم الأدب المحلي تجارب إبداعية متحولة , بعضها لا تقف عند حدود الشكل , بل تذهب إلى حس المغامرة بروح الرغبة في تجديد الوعي السردي شعريا وروائيا . لكنّ الرغبة تحكمها التجربة , والتجربة تقودها شخصية المبدع ذاتها إلى السمات التكوينية التي انطبعت في ذهنيته وثقافته وإبداعه . هذا التجاذب بين الرغبة والتجربة هو الأكثر دلالة على مفصل التحولات في التجارب الإبداعية , وهو كذلك دلالة كبرى على سعة التصورات وعمقها التي طالت مفهوم الإبداع والأدب بوجه عام في مشهدنا الشعري وكذلك الروائي , وبالتالي تكمن قيمة المنجز الأدبي المحلي- سواء في الشعر أو القصة أو الرواية- ليس في الاصطفاف التراكمي الذي شهدناه في الآونة الأخيرة فقط , وإن كان هذا له أهميته على المدى البعيد , وإنما في القيمة الفنية التي تحقق تطورها على مستويين من التعالق: الأول هو ما يتصل بنظرة المبدع إلى الحياة , ومن ثمّ طريقة تحويل هذه النظرة إبداعيا إلى نص , يعكس بالدرجة الأولى جدلية الوعي بالحياة من خلال قيم : الخير والشر والحرية والعدالة والجمال إلى آخر هذه القيم التي يدور حولها الإبداع بشكل عام. يضاف إلى ذلك حساسية الوعي الذاتي للمبدع تجاه تحولات هذه القيم في نصه , وبالتالي مدى إدراكه للمبررات الفنية التي يسوقها لأجل القارئ المفترض في ساحتنا المحلية .أما الثاني هو ما يتصل بنظرة المبدع للمجتمع في تحولاته في التاريخ والثقافة , أي النظرة التي تشبه حركة البندول في تأرجحها بين الإيديولوجيا واليوتوبيا , بين الحس التاريخي , وبصيرة التغيرات المستقبلية للمجتمع . إن تلكما النظرتين قابلتان للمراهنة , وإن بمقدورهما قياس درجة الوعي الأدبي بالحياة والمجتمع والتاريخ وفق الوتيرة المتصاعدة لحركة مجتمعنا المحلي منذ نهاية الثمانينيات وبداية عقد التسعينيات .لكنّ مسألة التحولات من منظورها الأشمل لا تتصل فقط حول ما سبق, إنما تأخذ أبعادها الحقيقية أيضا من العلاقة المنسوجة بإحكام بين تنامي النزعة الفردانية من جهة وبين مفهوم الأدب وتصوراته في الذهن من جهة أخرى , حيث كلتا الوجهتين تشكلان سمة من سمات ثقافتنا المحلية في مرحلتها الراهنة. إن تعدد التصورات حول مفهوم الأدب المحلي, ومن ثمّ بالتالي حول الممارسة لا يلغي الوحدة الجمالية من العمق . لقد تشظت الذاكرة الأدبية في ساحتنا في جميع الاتجاهات , وأصبح الاهتمام بالجنس الأدبي في حد ذاته لا يشكل هاجسا أو مشروعا قابلا للمراهنة عليه من طرف المبدع , ولا يشكل كذلك تجربة إنسانية ذات صفات خصوصية , تقف خلفها دوافع التغيير وأزماته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية , فقد رأينا على سبيل المثال كيف أن الرواية أعقاب حرب الخليج الأولى والثانية قفزت إلى المشهد , وذلك من منطلقات تتصل بالشكل والموضوع وليس بالتوضع التاريخي , تتصل بالأسئلة المتراكمة التي خلفتها التغيرات الجيوسياسية والسسيوثقافية لمجتمعنا المحلي والخليجي من قبيل الأسئلة التي تدور حول الدولة والمواطنة والحرية وحقوق الإنسان ..ألخ , وقد جاءت بعض الشخصيات الروائية حاملة هذا الملمح عند بعض الروائيين ( غازي القصيبي , تركي الحمد ) وإن كانت تنتمي زمانيا إلى فترة سابقة . لكن ما يهمنا بالدرجة الأولى هو زمن الكتابة الروائية , والحوافز والمبررات الفنية والثقافية التي تستدعي مثل هذا الملمح . غير أن سياق المنجز الروائي من خلال أغلب التجارب لم يكن يتولد من فضاء تلك الأسئلة , وهذه إحدى الإشكاليات التي تنال من هذا المنجز من العمق , لأسباب وثيقة الصلة بوضعية الأدب وقيمته الاجتماعية والثقافية في حياتنا اليومية , ناهيك عن وضعية الوعي باللغة جماليا وفلسفيا وتاريخيا . إن كون الأدب يتحول بمعزل عن الثقافة إلى السياسة هو إحدى إفرازات هذه المرحلة . أن ما يشي بمتطلبات اللحظة وتحدياتها هو أن يكون الأدب بجميع أجناسه الإبداعية رهان المستقبل , وكذلك رهان الثقافة بالاعتبار الجمالي والفلسفي والأخلاقي , ولكن هل ما ننجزه على مستوى الشعر أو القصة أو الرواية يفضي إلى مثل هذا الرهان ؟! وإن كان كذلك . فأين تكمن تمفصلاتها الواعية حول اللغة أولا ومن ثم الإنسان ثانيا في نصوصنا الإبداعية المنجزة ؟! من غير أن ننسى أن ثمة أنساقا ثقافية ما زالت تؤبد حالة الأدب بوصفه قيمة نفعية قابلة للتداول والاكتساب , وبوصفه _ كذلك _ انعكاسا لثقافة الواقع ومخيلته السائدة . mohmed_z@hotmail.com