حسن السبع
يمضي طالبُ العلوم الإدارية سنوات دراسية طويلة، يقرأ خلالها آلاف الصفحات عن السلوك الوظيفي النموذجي، ومثلها عن تحسين الأداء، ورفع معدلات الإنتاجية، ومقاومة علل البيروقراطية، وما إن يصبح موظفا عاما حتى يكتشف أن البيروقراطية نظام قابل للتشكل بصيغ ووجوه وآليات مختلفة، وأنها شبيهة بطائر الفينيق الأسطوري الذي يحترق، ويصبح رمادا، ثم ينبعث من بين رماده. كذلك تعود البيروقراطية، بعد كل إصلاح، بهيئات وأقنعة مختلفة. إنها تمتلك جهازَ مناعةٍ قادراً على مقاومة التغيير. وهكذا يكتشف الموظف، مبكرا، أنه لا توجد بيئة حاضنة لكثير مما تعلمه أثناء الدراسة، وأن الحياة العملية شيء آخر أكثر تعقيدا وتشابكا، وليس من سمع كمن رأى. ومع أن هنالك قواسمَ مشتركة وخطوطاً عامة توحد بين جميع البيروقراطيات، إلا أنها تتمايز وتختلف تبعا لتمايز واختلاف البيئات والثقافات. لذلك يبدو من المناسب، قبل إصلاح لوائح العمل وأنظمته، تعزيز المهارات وإصلاح العقليات التي تتعامل مع تلك النظم واللوائح. وما أكثر الحكايات والنوادر التي تتناول السلوك الوظيفي، وآلية الأداء البيروقراطي، لكن يبدو أن أقل البلدان تعقيدا في إجراءاتها الإدارية أكثرها تنكيتا على الآلة البيروقراطية. وللأمريكان نصيب وافر من هذه النكات التي تهجو تعقيد الأنظمة واللوائح، وبطء الأداء. جزء من مهمات الجيش الأمريكي، غير القتالية، التدخل للمساعدة أثناء الكوارث البيئية والأزمات. وفي إحدى الأدبيات الساخرة رسالة صوتية (متخيلة طبعا) على جهاز تليفون تابع لاستعلامات الجيش الأمريكي تقول: (شكرا لاتصالكم بجيش الولايات المتحدة، ونأسف فكل وحداتنا ليست موجودة حاليا أو مشغولة. الرجاء ترك رسالة تتضمن اسم المنطقة والمدينة والجهة التابع لها، والمشكلة أو الأزمة موضوع الاتصال، وكذلك رقم الهاتف الذي يمكننا الاتصال بكم عليه. وسوف نقوم بالرد على مكالمتكم هذه، حالما نسوي قضايانا في البلقان والعراق والصين، ونحل مشكلة فيروس نهاية الألفية الثانية، وننهي الاستعراضات العسكرية في شوارع واشنطن العاصمة، وبعض التدريبات الإلزامية)! هذا مثال كاريكاتوري على مستوى الأداء في مؤسسات القطاع العام، أما عن السلوك الوظيفي فإن دارس العلوم الإدارية لا يتعلم، مثلا، أن الجعجعة مفيدة عند تقييم أداء الإنتاجية. لذلك فإن عبارة (إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب) قد لا تصلح شعارا في الوسط البيروقراطي. ومن الموظفين من يدرك أهمية الدعاية والإعلان عما أنجزه، وما سوف ينجزه، وما لم ينجزه. وقد يختطف إنجاز زملائه ليضيفه إلى رصيده. وفي ظل هذه الأجواء يذهب الموظف القابع في الظل ضحية الهدوء والتواري. يقول أرسطو: (تكلم حتى أراك) أي حتى أعرف من أنت، وكيف تفكر، لكنها لا تعني ذلك في بيئة العمل، بل تعني أن للجعجعة، ولو كانت بلا طحن، تأثيراً على تقييم الأداء وتقدير الرؤساء الذين يؤخذون بالظاهر. نتعلم في مدارس الإدارة، كذلك، مراعاة التدرج الوظيفي، وقنوات الاتصال الأفقية والرأسية، وكيفية التعامل مع الزملاء والرؤساء، لكن المنهج الدراسي لا يعلمنا أصول التعامل (الوصولي). ومنه، على سبيل المثال، تلك القاعدة الذهبية القائلة ان نكات الرؤساء ظريفة ومضحكة دائما، وأن عليك أن تضحك حتى لو كانت النكتة باردة، أو سمعتها منه ومن غيره مرارا وتكرارا. يؤمن هذا النموذج من الموظفين بأنه لا يكفي أن تمتلك أوراقا جيدة لتضمن الفوز، بل لا بد من امتلاك المهارة لاستثمار تلك الأوراق، أو للغش في اللعب إذا لزم الأمر. وفي الأدبيات البيروقراطية قائمة بالنصائح (الساخرة) التي لم يتضمنها المنهج الدراسي عن كيفية التعامل مع نوعية خاصة من الرؤساء، فإذا طلب منك رئيسك القيام بعمل عصي على التنفيذ، فلا تجادله كثيرا، ولا تقل له: (إذا أردت أن تطاع، فاطلب المستطاع)، بل عد إلى مكتبك، واشغل نفسك بأي شيء لا علاقة له بتلك المأمورية، ثم عد إليه قائلا: (معذرة.. لقد حاولت لكن ذلك فوق قدراتي). هذه النتيجة أهون على رئيسك المباشر من رفض أو تسفيه أوامره. وتذكر دائما العبارة القائلة: (قد يخطئ الرؤساء، ولكن الرؤساء هم الرؤساء). من الرؤساء، كذلك، من يوكل إليك القيام بمهمة، لكنه يأتي إلى مكتبك بين حين وآخر فيضيع وقتك بثرثرته، تظاهر بأنك مصاب بأنفلونزا حادة فهذا يجعله يهرول خارجا حتى لا يصاب بالعدوى. هنالك أيضا في الأدبيات الضاحكة أعذار كثيرة لمدمني التأخير والتسيب والزوغان ومنها هذه المنظومة البيروقراطية لكاتب هذه السطور: (إذا شرحتم سببَ التأخيرِ/ لِصاحبِ السعادةِ المديرِ/ فقلء لهُ فشَّتء لديكَ العَجَلَة/ وأُصءلِحتء بعدَ العنا والبَهءدَلَهء/ أو قلء لهُ (مَدَامُنَا) توعَّكَتء/ أو طفلُنَا عن الصراخِ ما سَكَتء/ أو قلء له: (راحتء عليَّ نَوءمَهة/ في ليلةٍ مزعجةٍ مَشءؤومَهء/ ما أكثرَ الأعذارَ يا صديقي/ لِمُدءمِني الخريطِ والتلفيقِ). غير أن هذه الأدبيات لا تفيد الموظف وحده، بل تفيد رئيسه المباشر كذلك. فبعض الرؤساء يعاني شكوى وتذمر مرؤوسيه من ضآلة الراتب. والراتب، كما يعرفه المنهج الدراسي، مبلغ من المال يدفع للموظف أسبوعيا أو شهريا مقابل ساعات أو أيام عمل فعلية. لكن هنالك جردة حساب تثبت أن ساعات أو أيام العمل الفعلية أقل بكثير مما يظن الموظف المتذمر. ففي السنة 365 يوما، ولو حذفت منها عطل نهاية الأسبوع ومجموعها 104 أيام في السنة، وإجازة سنوية مقدارها 35 يوما، وإجازة عيد رمضان، وإجازة عيد الأضحى، وإجازة اضطرارية مقدارها 5 أيام، وإجازة مرضية حسبما يجود به كرم الطبيب، فسوف تستطيع إقناع الموظف المتذمر بأنه يأخذ أكثر مما يعطي. ناهيك عما يقدمه له العمل من خدمات أخرى، فهو يبقيه بعيدا عن البيت، وعن النزاعات العائلية المحتملة الناجمة عن تدخله في شؤون المطبخ، مثلما يفعل بعض ضحايا الفراغ من المتقاعدين. كما يتيح له العمل أعذارا للمرح والالتقاء بالأصدقاء بعد وقت الدوام، وهي خدمات لا تقدر بثمن. وحكاية هذا الطبيب تؤكد ما ذهبت إليه: فقد عاد الطبيب من المستشفى إلى البيت، وبعد أقل من ساعة رن جرس الهاتف، فالتقط السماعة، وكان على الجانب الآخر أحد الأطباء الزملاء يقول: (نريد شخصا رابعا لنلعب بوكر). قال الطبيب: (سأنضم إليكم حالا). ارتدى معطفه فسألته زوجته: (هل هي حالة خطرة؟). ليرد عليها بنبرة جادة قائلا: (بل حرجة جدا.. ولعلمك فهنالك ثلاثة أطباء في انتظاري). وللحديث عن نوادر الوسط البيروقراطي بقية. hsn_saba@hotmail.com