محمد العلي

محمد العلي

(إنها أزمة معنى)هذا ما قاله الرئيس الفرنسي جاك شيراك في تعليله للأحداث التي هزت فرنسا مؤخرا. ولا يمكن لمن يقرأ أو يسمع هذا التعبير في تفسير غليان فئة من الناس أن يمر عليه مسرعا، لأنه يضفي على الحدث بعدا فلسفيا قبل أن يكون تبريريا، أو اقترابا من لمس الأسباب.المعنى هو محتوى أو مضمون تعبير ما.وكما لابد من أن يكون للعبارة أو حتى المفردة معنى من المعاني، فكذلك لابد أن يكون للفعل معنى، وإلا أصبح فعلا عبثيا، ولذلك لابد للموقف أن يكون ذا معنى، وإلا أصبح تقليدا همجيا، والحياة نفسها، أي حياة الإنسان لابد أن تحمل معنى، وإلا أصبحت حفنة من الدقائق مثل حفنة من الرمال.هناك من يوافق الرئيس شيراك على أن ما حدث من إحراق الممتلكات والتطويح بالأمن يخلو من المعنى، فالهدف النبيل لابد أن تكون وسيلته نبيلة، لاسيما في بلد ديمقراطي مضيء مثل فرنسا، ولكن هناك من يعتبره فعلا ذا معنى، وهذا المعنى هو المطالبة بالمساواة التي هي أبسط حقوق الإنسان.شيراك عرف ويعرف ما حدث ويحدث في الجزائر وفي العراق، ترى بماذا يصف ذلك؟ هل هو أزمة معنى بكل ما تنطوي عليه هذه الكلمة من انعدام الأخلاق والقيم.. أم هو أزمة حفنة من البشر تحولت إلى وحوش ضارية؟!تعليل المواقف وتفسير الأحداث للوصول إلى تحديد معناها لا يسلك طريقا واحدا، فهناك أكثر من تعليل للموقف الواحد، وأكثر من تفسير لأي حادث، وكل تعليل أو تقسير، وحسب الغوص إلى الجذر أو الوقوف عند القشر، يفرز معنى مختلفا وهنا يأتي السؤال:اي منها هو المعنى الحقيقي الصحيح؟نحن نعرف، على ضوء معطيات التاريخ ولغة الواقع، أن جميع الخلافات، وانشطارات المذاهب، وتعدد الفرق إنما تمت، وسوف تتم، لأن المعنى الذي تصل إليه فئة ما أو تتخيل أنها تفهمه من تعليل موقف أو تفسير حادثة، يختلف عن المعنى الذي تصل إليه فئة أخرى.إن هذا ما يفرض وجود معايير نعرف على هديها المعنى القريب من الحقيقة والمعنى البعيد عنها، لنلجأ إليه عند الاختلاف والتمزق الاجتماعي الذي ينتج عنه، فهل هناك مثل هذه المعايير؟لقد حاول أرسطو إيجاد (علم يبحث في قوانين التفكير التي ترمي إلى تمييز الصواب من الخطأ، فينظم البرهنة ويقود إلى اليقين) وبلغ من إعجاب الغزالي به أن أطلق عليه (معيار العلم) ولكن هل ساق هذا العلم الاختلافات البشرية إلى الزوال؟ لا. أبدا. إنها تتكاثر يوما بعد يوم.سأقف عند السؤال الكبير: هل هناك معايير لمعرفة المعنى الصائب من المعنى الزائف؟ هذا السؤال سأحاول الإجابة عنه، ولكني الآن مشغول الذهن بالقول المشهور.(المعنى في قلب الشاعر).حتى الهذيان والشطح يمكن أن نتخيل لهما معنى، ولكن بعض الشعر لا يمكن حتى لابن جني والخليل بن أحمد مجتمعين أن يشيرا لنا إلى ما يقصده بعض الشعراء من شعرهم، إنه محار لا ينغلق حتى تعرف ما الذي بداخله، لذلك هو يبقيك على أبواب الأخيلة التي عليك أنت وضع المعنى لها، أما المعنى الذي يقصده هو فقد نسيه على الرغم من أنه في قلبه.عجبي.MALI@ALYAUM.COM